منهج المحدثين في التصحيح والتضعيف

بدر عبدالحميد هميسه: كانت مناهج المحدثين في التصحيح والتضعيف مثالاً ونموذجاً على البحث العلمي الدقيق , الذي يقوم على الأمانة والنزاهة العلمية , وعلى ضبط قواعد البحث ودقتها وسلامتها من العلل وإتباع الهوى، لكن من الأمور التي عمَّتْ في هذا الزمان فتحُ باب (التصحيح و التضعيف) في الحديثِ لكلِّ أحدٍ من الناسِ، دون مراعاةٍ لمقامِ التأهُّلِ مراعاةً صحيحةً وَفْقَ المنهاج المرسوم لدى أهلِ الفَنِّ.
فأنتَ راءٍ في الناسِ خللاً كبيراً في هذه المسألة، وتُبْصِرُ وقوعهم في هوةٍ بعيدةِ القعر، ذلك أن رأسَ هذا وذاك هو عدمُ مراعاة أصولِ (المُصحِّحِ و المُضَعِّفِ)، والغفلةُ عن قواعد ذلك.
ولقد كان صنيعُ الإمام ابن الصَّلاح- رحمه الله تعالى- حسناً في سدِّه باب التصحيح والتضعيف، حيثُ قال في : ( المقدمة، ص12) : تعذَّرَ في هذه الأعصار الاستقلالُ بإدراك الصحيح بمُجرَّدِ اعتبار الأسانيد، لأنه ما مِنْ إسنادٍ من ذلك إلا وتجدُ في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه عرِيَّاً عما يُشْترَطُ في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان، فآلَ الأمرُ إذاً في معرفةِ الصحيح والحسن إلى الاعتماد على ما نصَّ عليه أئمةُ الحديثِ في تصانيفهم المعتمدة المشهورة، التي يُؤْمَنُ فيها _ لشهرتها _ من التغيير والتحريف.
وكلامَ ابنِ الصلاحِ مُقَيَّدٌ فيمن ليس بذي أهليةٍ، و أما المتأهِّلُ فليس مراداً بهذا الكلام، قرَّرَه النووي في تقريبه . تدريب الراوي 1/14.
فالمُتأهِّلَ الذي يُعْتَمَدُ على حكمه في الحديث هو مَنْ توفرتْ فيه شروط الاجتهاد، هذا من حيثُ كونُه مُسْتقِلاًّ بالحكم ، و شروط الاجتهاد هي:
1- معرفةُ الكتاب أي إدراك آيات الكتاب، والإلمامُ بمعانيها، والمُتَعَيِّنُ آيات الأحكام.
2- معرفةُ السنة النبوية والعلوم المتعلقة بها ,
3- معرفة اللغة العربية، و المُشْترَطُ العلمُ بما يتعلَّقُ بنصوص الأحكام.
قال الطُّوْفي في: ( شرْح مختصر الروضة 581/3 ) : ويُشترَط أن يعرف من النحو واللغة ما يكفيه في معرفة في معرفة ما يتعلَّق بالكتاب والسنة مِنْ: نصٍّ، وظاهرٍ ومجمَلٍ، وحقيقةٍ ومجازٍ، وعامٍ وخاص، ومُطْلَقٍ ومقيَّدٍ، و دليل الخطاب ونحوه مثل: فحوى الخطاب، ولحنه، ومفهومه.
4- معرفة مواقع الإجماع، و ذلك لأمرين:
أ _ التحرُّز من القول بما يُخالفه، و يُلْحق بذلك: إحداثُ قولٍ ثالث.
ب _ التحرُّز من القول بالخلاف أو القول المهجور المتروك. انظر: المستصفى 2/351 .
5- معرفة الناسخ والمنسوخ، حتى لا يستدل بنصٍّ منسوخ.
6- معرفةُ أصول الجرح و التعديل. قال المرْداوي في : ( التحبير 8/3875) : لكنْ يكفي التعويلُ في هذه الأمور كلها في هذه الأزمنة على كلام أئمة الحديث كأحمد، و البخاري، و مسلم، و أبي داود، و الدار قُطْني، ونحوهم؛ لأنهم أهل المعرفة بذلك، فجازَ الأخذ بقولهم كما نأخذ بقولِ المُقَيِّمين في القيم.
7- معرفة أصول الفقه وذلك له فائدتان :
الأوْلى: قال الصَيْرَفي : ومَنْ عرَفَ هذه العلوم فهو في المرتبة العليا، ومن قَصر عنه فمقدارُه ما أحسن، ولن يجوز أن يُحيطَ بجميع هذه العلوم أحدٌ غير النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مُتفرِّقٌ في جملتهم.
الثانية: قال الشوكاني : ومنْ جعل المقدار المُحتاجَ إليه من هذه الفنون هو معرفةُ مُختصَرَاتُها، أو كتابٍ متوسِّطٍ من المؤلفات الموضوعة فيها فقد أبعدَ، بل الاستكثارُ من الممارسة لها والتوسع في الإطلاع على مطولاتها مما يزيد المجتهد قوةً في البحثِ، و بصراً في الاستخراج، وبصيرةً في حصول مطلوبه.
والحاصلُ: أنَّه لابُدَّ أن تَثْبُتَ له الملَكَةُ القوية في هذه العلوم، و إنما تثْبُتُ هذه الملَكَةُ بطولِ المُمَارَسة، وكثرة المُلازمة لشيوخ هذا الفن. انظر : إرشاد الفحول ص 234.
فالمُتصدِّرُ للحكمِ على الأحاديث - صحةً و ضعفاً – لا بد له من أمرين مهمين :
الأول : أن يكون مؤهلاً تأهيلاً علمياً للحديث في هذا الفن .
فيكون جانب من العلم والمعرفة والإطلاع على أنواع من العلوم، كقواعد الجرح والتعديل وما يتعلق بذلك، ومعرفة أحوال الرواة، واصطلاحات المحدثين، وألفاظهم، ومسالكهم في الحكم على الرواة والأحاديث، والعلم بطرق التخريج، ودراسة الأسانيد، وكيفية النظر في العلل مع الإلمام بأصول الفقه وخاصة ما يتعلق بالتعارض والترجيح ونحوه.
الثاني : سبَر كلام المتقدمين في المصطلح وأصول الحديث.
فإن التصحيح والتضعيف نوع الاجتهاد قائم على البحث والنظر، واستقصاء أقوال الأئمة، والتوفيق بين المتعارض منها وترجيح الراجح، ومعرفة المتابعات والشواهد، والنظر في العلل وغير ذلك.
فقد يحتج بالراوي في جانب من جوانب العلم دون الآخر كالاحتجاج به في المغازي أو القراءات ونحوها دون الحديث.
وقد نجد في ترجمة الراوي (وثَّقه فلان) أو (ضعفه فلان) أو ((كذبه فلان) فلتبحث عن عبارته فقد تكون نقلت عنه بالمعنى، ولم يذكر ذلك في الراوي نصاً , كما ينبغي تأمل عبارة المزكي ومخارجها، ومناسبة ذكرها.
وأيضاً لابد من التوثق والبحث عن رأي كل إمام من أئمة الجرح والتعديل واصطلاحه مستعيناً على ذلك بتتبع كلامه في الرواة، واختلاف الرواية عنه في بعضهم مع مقارنة كلامه بكلام غيره.
ومن الأمور التي تحتاج إلى تحرير في مجال التصحيح والتضعيف: موضع الفرق بين الحديث الحسن والحديث الضعيف، ولا يخفى أن تحرير هذا الموضع يحتاج إلى تدقيق وإمعان نظر، إذ ليس هناك ضابط لأوصاف الحسن التي لا يمكن تداخل بعضها في بعض أوصاف الضعيف,ومن الضعيف كذلك ما هو متردد بين الحُسن والضعف.
قال الذهبي: لا تطمع بأن للحسن قاعدة تندرج كل الأحاديث الحسان فيها فإنا على إياس من ذلك، فكم من حديث تردد فيه الحفاظ هل هو حسن أو ضعيف أو صحيح – بل الحافظ الواحد يتغير اجتهاده في الحديث الواحد، فيوماً يصفه بالصحة ويوماً يصفه بالحسن ولربما استضعفه.
ومن الأمور المقررة في علوم الحديث أن صحة سند الحديث لا تستلزم صحة الحديث وذلك لاحتمال وجود علة أو شذوذ في متنه، وكذلك فإن ضعف السند لا يلزم منه ضعف الحديث لاحتمال أن يكون المتن قد صح من طريق أخرى.
وإذاً فمن التسرع وعدم التثبت أن ينظر طالب العلم إلى إسناد الحديث فإذا وجده متصلاً ووجد رجاله موثقين حكم بصحة الحديث قبل أن يمعن النظر جيداً في متنه، أو شواهده ومتابعاته.
ولكن يسوغ الحكم على الحديث بناء على صحة إسناده بشروط ثلاثة وهي:
1- أن يكون هذا الحكم صادراً من حافظ متأهل لذلك.
2- أن يبذل الجهد والوسع في التفتيش وتتبع الطرق والشواهد.
3- أن الحكم مع ذلك يكون ظنياً.
قال السخاوي: إذا بلغ الحافظ المتأهل الجهد، وبذل الوسع في التفتيش على ذلك المتن من مظانه فلم يجده إلا من تلك الطرق الضعيفة ساغ له الحكم بالضعف بناء على غلبة الظن .
7- مراعاة السند والمتن في التصحيح والتضعيف: فلا يخفى أن الحكم على الحديث يجب أن يكون عن دراسة لسنده ومتنه وأنه لا يحكم عليه بالصحة أو الضعف حكماً نهائياً حتى يجمع شروط ذلك سنداً ومتناً.
ولكن قد يحكم عليه حكماً جزئياً باعتبار:
1- طريق أو إسناد له بخصوصه.
2- لفظ أو سياق له معين.
وإذا اختلفت أقوال المحدثين في الراوي، منهم من يوثقه، ومنهم من يجرحه ويطعن فيه، فما حكم حديثه؟ هل نغلب جانب الجرح احتياطاً فنعد حديثه مردوداً، أو نغلب جانب التعديل فنعده صحيحاً؟ أو نتوسط في ذلك فنجعل حديثه من نوع الحسن؟ .
 
هذه المسألة من أهم مسائل التصحيح والتضعيف إذ أن الرواة من حيث القبول والرد ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
الأول: متفق على جلالتهم وإتقانهم، أو على توثيقهم جمهور الأئمة جهابذة هذا الشأن وفرسانه، فلا يلتفت إلى ما فيهم من جرح عام، وإنما ينظر إلى ما جرحوا فيه من جرح خاص يتعلق بالطعن في بعض حديثهم أو في روايتهم عن بعض شيوخهم، أو ما ثبت أنهم وهموا فيه من وهم يسير لا يضر في جانب إتقانهم وضبطهم.
الثاني: قسم متفق على ضعفهم، أو على تضعيفهم جمهور أئمة هذا الشأن فلا يتلفت إلى توثيق من وثقهم توثيقاً عاماً، وينظر في ذلك إذا كان التوثيق خاصاً كتوثيقه في الرواية عن شيخ معين أو روايته لصحيفة معينة، أو ضبطه لحديث بعينه.
القسم الثالث: وهم الرواة المختلف فيهم، وهنا مربط فرس المحققين، ومناخ رواحلهم، وهنا يجب تحرير عبارات الأئمة، ومعرفة مناهجهم في الحكم على الرواة تساهلاً وتشدداً واعتدالاً، ومعرفة سياق كلامهم في الراوي، وقرائن التجريح والتعديل.
ومما ينبغي أن يعلم في هذا الشأن أنه لا يصلح أن يطرح حديث الراوي أو يتوقف فيه، للاختلاف فيه، أو لإطلاق الكلام فيه، وإلا للزم تضعيف آلاف الأحاديث وردّها.
ولذا فقد ذهب عدد من المحدثين كأحمد في مسنده، والنسائي في سننه وغيرهما إلى أنه لا يترك حديث الرجل حتى يجمع الجميع على تركه .
وإذا لم يرد الحديث في كتب السنة المعتمدة، ولم يروه أحد من أصحاب المصنفات الحديثية المشهورة المعروفة، فهل يحكم لذلك على الحديث بالضعف، وذلك بأن يروى في جزء من الأجزاء، أو الفوائد أو الأمالي أو المجالس، أو المشيخات أو غيرها من المصنفات، ولم يخرج في شيء من الكتب المعتمدة.
ونعني بكون الكتاب معتمداً أن يكون من كتب الحديث ويجمع بين صفتي التقدم والشهرة، أي التداول في أوساط العلماء، ويكون معروفاً مشهوراً لديهم، متقدماً في التصنيف، لا شك أن الحديث إذا كان مما يحتاج إلى مثله ولم يعرف لدى المصنفين المشهورين الذين قاموا بجمع الأحاديث وتصنيفها، أو يكون معروفاً لكن يعرضون عن إخراجه، فإنه مما يغلب على الظن عدم صحته، إذ لو كان صحيحاً لعرفه وخرجه بعض هؤلاء الحفاظ المتقدمين.
قال ابن الجوزي: (الموضوعات 1/99): فمتى رأيت الحديث خارجاً عن دواوين الإسلام كالموطأ، ومسند أحمد، والصحيحين، وسنن أبي داود ونحوها فانظر فيه فإن كان له نظير من الصحاح والحسان قرب أمره، وإن ارتبت فيه ورايته يباين الأصول فتأمل رجال إسناده.. إلخ.
وفي الحكم على الحديث المضطرب الذي تختلف الرواية فيه فيروى على أكثر من وجه يخالف بعضها بعضاً وتكون متساوية في القوة، وقد يكون الراوي نفسه هو الذي روى هذه الوجوه، وقد يرويه بعض الرواة على وجه، وبعضهم على وجه آخر.
فقد قالوا أنه يحكم بضعف الحديث المضطرب؛ لأنه دال على عدم ضبط الراوي أو الإخلال بضبطه.
ولا يتحقق الاضطراب إلا بأن تتساوى الوجوه المتعارضة في القوة أما إذا ترجحت إحداها بحيث لا تقاومها الأخرى فالحكم للراجحة، ولا اضطراب حينئذ في الحديث .
قال الخلال في جامعه في حديث ابن عباس في كفارة وطء الحائض قال: كأنه يعني الإمام أحمد – أحب أن لا يترك الحديث وإن كان مضطرباً لأن مذهبه في الأحاديث إذا كانت مضطربة ولم يكن وإذا فلا تنافي بين الصحة والاضطراب في الرواية دائماً فقد تجتمعان، وقد يوصف المضطرب بالصحة أو بالحسن، وذلك بأن يقع الاختلاف في اسم رجل واحد وأبيه ونسبته ونحو ذلك، يكون ثقة، فيحكم للحديث بالصحة ولا يضر الاختلاف فيما ذكر مع تسميته مضطرباً، بل جزم بعض العلماء كالزركشي بذلك أيضاً في المقلوب والشاذ بأن يدخل القلب والشذوذ والاضطراب في قسم الصحيح والحسن . انظر: مجلة البحوث الإسلامية -العدد41 .
فهذه قواعد مهمة في التصحيح والتضعيف يجب على من يتصدر للفنتيا أو الحكم على الأحاديث صحة وتضعيفا أن يعيها ويعرفها تمام المعرفة .
 
مرات التقييم:«89»

أضف تعليقاً

إن أردت إبلاغك عندما يتم الرد عليك
التحقّق
منعاً لبرامج الإزعاج "سبام" نرجو منك الإجابة على السؤال التالي:
3 + 2 =
مثال: 5 + 5 = 10