تعليقا على د. مسفر القحطاني: مفهوم العلمانية خارج دائرة الإسلام

نادر العبدالكريم
 
كتب الدكتور مسفر مقالا يوم الجمعة 7 ربيع الأول 1437 بعنوان : هل العلمانية خروج على الدين؟ ... وأسئلة أخرى، ويمكن القول ان أبرز أفكار المقال، هي:
 
1-  مفهوم العلمانية نقل إلينا بصورة مستعجلة، و تمكن بقوة المستعمر.
 
2-  ان تعريف العلمانية بأنها فصل الدين عن الدولة مضطرب و غير مقصور واضعيه و غير متداول في تطبيقه.
 
3-  خرجت فتاوى بكفر العلمانية و أصبح هذا قولا غالبا.
 
4-  اعتمدوا في ذلك على أصلين: كونها حكم بغير ما انزل الله ، و أنها شرك في عبادة الله.
 
5-  أن هذا التوصيف لا ينطبق على مفهوم العلمانية الغامض، لأنه اختلط فيها التوصيف النظر بالتحقق الفعلي.
 
6-  أنه يترتب على القول بكفر مفهوم العلمانية أحكام خطيرة كفراق الزوجة و حرمة الإرث و غير ذلك.
 
7-   أن التحققات الواقعية للعلمانية تختلف بحسب الدول و المجتمعات، فالحكم بتكفير كل هؤلاء ينبغي التورع عنه.
 
8-  ينبغي استحضار العوارض المؤثرة في الحكم كالتفريق بين القادر و غيره، و العالم و غيره و المكره و غيره، ... الخ.
 
9-  غالب الأمم العلمانية لا تصادر اختيار الأمة لتشريعاتها.
 
10-  قد تكون العلمانية في مصلحة الإسلام و الشعوب الإسلامية.
 
11-  الغرض من المقال إعادة النظر في مفهوم العلمانية و تفكيك الأغلوطات المنهجية التي اكتنفت معناه، و تجفيف منابع الإرهاب و التكفير بسبب المغالاة في خطر العلمانية و تكفيرها.
 
12-  قد يوظف مقال د. مسفر ليوصف بأنه خدمة لأعداء الأمة.
 
و أبدا من النقطة الأخيرة فأقول: أن هذا المقال هو في خدمة أعداء العلم قبل الإسلام و الأمة، إذ المقال تكريس لمفهوم الغاية تبرر الوسيلة، وهذا المبدأ قد يفيد في المجال السياسي، لكنه في المجال العلمي خطير جدا ، فبه تتفلت كثير من المفاهيم و تصبح سائلة و يتكثف الضباب على المنهج العلمي، و البناء العلمي إنما يكون على قواعد صلبة و منهج واضح، و بهذا يتقدم العلم و يزدهر. و المهتمون بجانب الإصلاح العملي يقعون كثيرا في هذا المطب إذ لا يفرقون بين الوقائع الخاصة الخارجية (الجانب العملي) و المفاهيم الكلية الذهنية (الجانب النظري). ففي الوقائع الخاصة هناك خضوع للواقع و تنازلات لتحقيق مصالح اكبر، لكن لا يعني هذا تنازلا في المفاهيم و الجانب النظري.
 
وهو في خدمة اعداء الإسلام ثانيا لأنه تشريع لأعظم الأبواب التي يحرصون على تغييبه و تكثيف الضباب حوله حتى لا يكون واضحا و تتخبط الأمة في إصلاحه. و الصواب أن يبين الحق كاملا في هذا الجانب المهم من جوانب إصلاح الأمة، ثم عند التطبيق الواقعي قد تقدم بعض التنازلات لأنظمة علمانية او غيرها من أجل تحقيق مصلحة أكبر و لكل حالة ظروفها الخاصة، وهذا ما ينطبق على مثال النجاشي الذي ساقه الدكتور.
 
 في رأي الدكتور: لكي نقطع الطريق على التشدد و الغلو يجب أن نخفف أحكامنا الشرعية النظرية التي لن تقف عند العلمانية فحسب بل ستشمل أمورا أخرى، و هذا لن يخفف خطاب الغلو بل سيزيده أوارا إذ سيصبح دافعهم للغلو و اختلاف الآخرين معهم يشمل الجانبين النظري و العملي.
 
كذلك لم يوفق الدكتور في الوصول لغرضه من المقال في إعادة النظر في مفهوم العلمانية و تفكيك الأغلوطات المنهجية التي اكتنفت معناه، فليس فيه توضيح لمفهوم العلمانية ولا نقد صريح للتعريف السائد بانها فصل الدين عن الدولة. ولهذا يمكن القول ان هذا القول يصب في جانب اعداء الثقافة أيضا، إذ أن واجب المثقف الحقيقي هو الكشف و البيان لقضاي الرأي العام، وهذا ليس موجودا في المقال.
 
و لتوضيح مفهوم العلمانية، أقول:
 
أن العلمانية مصطلح جديد لم يعرف في العربية إلا قبل أكثر من قرن تقريبا، وهو نسبة إلى العالم لا إلى العلم، و العالم المقصود به هنا هو الدنيا أو الزمن الدنيوي الذي يقابل الزمن الأخروي.
 
ولا شك أن المصطلحات يصعب الإمساك بحدودها عندما تنشأ في مجتمع مختلف في سياقاته الفكرية و التاريخية. و العلمانية أحد هذه المفاهيم إذ هي الترجمة الشائعة لكلمة secularism الانجليزية و ما يقابلها في اللغات الأوربية ، و لو عدنا لأصل الاشتقاق اللاتيني Saeculum لوجدناه يعني الدهر الدنيوي في مقابل الدهر الخلاصي في المسيحية، و استخدامات الكلمة حسب معجم أكسفورد تتضمن فكرة الزمن و الدنيا.
 
 و قد نشأ هذا المفهوم في بريطانيا في نهاية القرن التاسع عشر ، على يد جون هوليوك أول من سك المصطلح بمعناه الحديث، فعرف العلمانية بأنها الإيمان بإمكانية إصلاح حال الإنسان من خلال الطرق المادية دون التصدي لقضية الإيمان سواء بالقبول أو الرفض، و أراد بذلك إنشاء موقف عقدي يتميز عن الإلحاد ويتوسط بينه و التدين، و يسعى لتحييد الدين عن شؤون الدولة مع نشوء الدول الحديثة و بداية تطوير مؤسساتها، و أن هذه الدول من المفترض أن يحكمها العقل وحده دون تدخل الكنيسة و الدين، و ربما أن من دواعي ذلك ترك الناس في علاقتهم بأديانهم دون إجبارهم على نبذ الدين كليا، لأن المهم في ذلك الظرف التاريخي أن تبتعد الكنيسة عن التدخل في شؤون الدولة، كما كانت في القرون الوسطى.
 
ثم تطور مفهوم العلمانية من تحييد الدين عن شؤون الدولة إلى إقصاءه عن كل مجالات الحياة تدريجيا: في الاقتصاد و الاجتماع و الأخلاق و العلم و الفن و غيرها، و استبعد الدين من أن يكون أي أثر في مجالات الحياة و أصبح الحديث عن التحرر من الموروثات فيها يقصد به الدين تحديدا، و بهذا كان الانتقال التدريجي من الطراز اللاديني إلى الطراز المضاد للدين ، حتى بلغ إحدى ذراه في إقصاء الدين من المجالات العامة التي تسيطر عليها الدولة كالمدارس و الجامعات و أماكن العمل و السماح به فقط في المجال الخاص ، فالحياة العامة تتحكم فيها الدولة أما الحياة الخاصة فتتركها الدولة للفرد يمارس حريته الدينية، و سميت بالعلمانية المتشددة أو الصلبة كالتي كانت في فرنسا و تركيا أتاتورك .
 
و نلاحظ مما سبق ان العلمانية ليست فكرة ثابتة و مجموعة من الأفكار المحددة و الممارسات الواضحة التي لم تتغير إطلاقا، بل هي عمليات كثيرة متداخلة بعضها ظاهر و بعضها كامن و بالتالي تتغير عبر الزمن مع التغيرات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و غيرها.
 
و الكلمة الانجليزية secularism تعني في الأصل الاهتمام بالدنيا وحدها دون الاخرة التي كانت الكنيسة في القرون الوسطى تعسف الناس على الاهتمام باليوم الآخر و العزوف عن الدنيا . و بالتالي فترجمتها بالدنيوية أدق من وصفي العلمانية أو اللادينية، و الدنيوية بهذا المفهوم ستنبذ كل ما يقف في وجه الاهتمام بالدنيا سواء كان دينا أم غيره، فالتعبير باللادينية غير دقيق إذ من الدين ما لا يقف في وجه الاهتمام بالدنيا، و في غير الأديان ما يقف في وجه الاهتمام بالدنيا كبعض الأفكار و المذاهب البشرية كالإشراقية التي ترى الانصراف عن الدنيا طريقا لتحصيل المعرفة. و التعبير بالعلمانية أيضا غير دقيق سواء كانت من العلم أو العالم، فليس هناك علاقة بالعلم بهذا المفهوم، و للعالم مفهوم أوسع بكثير من مفهوم الدنيا.
 
و بهذا يتبين أن التعريف المشهور للعلمانية أنها تعني فصل الدين عن الدولة تعريف صحيح في بداية نشأة هذا المصطلح، وداخل في مفهوم العلمانية في تطوراتها المختلفة. و الذي بني على هذا المفهوم من أحكام العلماء المسلمين صحيحة أيضا.
 
أما تطبيقات العلمانية فأغلبها يطابق التعريف بل و يتجاوزه في العلمانيات المتشددة كما أسلفت. و يبقى حالات قليلة، تطبق فيها العلمانية المخففة تدرجا و تخفيفا لشر علمانية ثقيلة متشددة، و الحكم بكفر العلمانية لا يعني الحكم بكفر كل من شارك في هذا العلمانيات كما سيأتي بيانه.
 
إذا أين مكمن الخلط عند الدكتور، هو في عدم تفريقه بين الحكم العام على المفهوم و الحكم الخاص على الأفراد، وهو باب مشهور في العقيدة الإسلامية، إذ الحكم بأن العلمانية كفر لا يؤدي تلقائيا إلى تكفير كل من قال أنه علماني، بل لا بد من الاستفصال عن مفهوم العلمانية عنده، و ماذا يقصد به، ثم تبيين مخالفته للإسلام بحجة واضحة و هذا كله يندرج تحت ما يعرف بقيام الشروط و انتفاء الموانع.
 
فضلا أن يؤدي هذا إلى تكفير كل من مارس عملا علمانيا، إذ الممارسة ليست دليلا على الإيمان النظري وهذا واضح في ما ساقه الدكتور من حالات القادر و غيره، و العالم و غيره و المكره و غيره، ... الخ، وفتاوى العلماء أمثال أحمد شاكر و السعدي وابن باز و ابن عثيمين و غيرهم في جواز المشاركة في أنظمة تحكم بغير الشريعة-وهو أحد مناطي تكفير العلمانية التي نقلها الدكتور- بقصد المصلحة و تخفيف الشر، و هذا يفسر أيضا فرحنا بنظام علماني منح المسلمين شيئا من حقوقهم الدينية بعد ما كانوا في مجتمع يحرمهم منها، إذ هذا الفرح شبيه بفرح المؤمنين بنصر الله للروم من بعد غلبهم، و لا يعني فرحنا رضا بالعلمانية و مفهومها و ممارستها بشكل كلي، إنما هو فرح محدود في حالة خاصة بتحقيق مصلحة معينة.
 
ولهذا أوافق الدكتور أن العلمانية قد تكون في مصلحة الإسلام و الشعوب المسلمة، وهذا واضح مما أسلفته في نشأة العلمانية أنها موقف بين التدين و الإلحاد، فالأنظمة العلمانية أخف وطأة من الأنظمة الطاغية التي تفرض الإلحاد مثلا، لكن هذا لا يعني تصحيح مفهوم العلمانية و شرعنتها، فالشرور دركات، وبهذا الطريقة من الحجج سنصل إلى تصحيح كثير من المفاهيم الخاطئة بحجة انها أهون من غيرها.
 
و ختاما فمعالجة المفاهيم الملتبسة بهذا الطريقة يزيدها التباسا و غموضا و يزيد التشدد و الغلو، و لمعالجة الغلو و التشدد أبواب أخرى ليس هذا منها و لا شك في القصد الطيب و النية الحسنة لكاتب المقال، لكن كم مريد للخير لم يبلغه.
 
مرات التقييم:«29»

أضف تعليقاً

إن أردت إبلاغك عندما يتم الرد عليك
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.

More information about formatting options

التحقّق
منعاً لبرامج الإزعاج "سبام" نرجو منك الإجابة على السؤال التالي:
1 + 11 =
مثال: 5 + 5 = 10