طرائق التفقّه عند المعاصرين.. قراءة تاريخية تحليلية

د.عصر محمد النصر: أفضى الاجتهاد المتقدم الذي أطلقه بعض المصلحين مع مرور الوقت إلى تغيّر في طريقة التفقّه، بل في الحركة المعرفيّة والعلميّة بصورة عامة، وإن كان هناك من تفسير لهذه الاستجابة، فإن ذلك يعود إلى حالة من البحث عن الهويّة في وقت عصفت بالأمة جملة من المتغيرات، فهي إذن جوابٌ لسؤال قد ملأ آذان أبناء الحركة العلميّة وصنّاع القرار، وبطبيعة الحال فإن هذا الباب المتعلق بتنظيم حركة التديّن في المجتمعات لا يمكن أن يترك فارغا، وهذا بدوره ساعد بشكل أسرع في انتشار ذلك النمط من التفقّه.

وكيفما كان من أمر فإن هذا الأمر بات واقعا، وقد أعان عليه تلك الحركة الدعويّة الني ظهرت في وقت مبكر من القرن التاسع عشر متمثلة بالجماعات الإسلامية وروافدها واسعة الانتشار، وهي مسألة مهمة حيث انتقلت رعاية التدين من دولة تتبنى ما كان قد استقر من مدارس علمية إلى جماعات دعوية تبحث في غالب شأنها عن نوع من التجديد مستفيدة من الموروث ضمن اعتبارات واقعية جديدة تتمثل بوجود إطار معرفي يسهم في عملية التجديد والإصلاح، ومن هنا عظم شأن نبذ التقليد والجمود، فهما عقبة أمام التقدم ومواكبة الأمم، وتعززت قيمة الاجتماع ونبذ الفرقة حتى أُدخل في ذلك صور من الاختلاف السائغ الذي تستدعيه طبيعة الأدلة.
مثّل العمل بالدليل المباشر من كتاب وسنّة أهمّ مظاهر التفقّه عند المتأخرين، وقد وضع في إطار معرفي ظهر فيه قدر من المخالفة لطرائق السابقين من أهل العلم، وقد عزز من هذا الأمر ضعف التصور لطبيعة التفقّه في المذاهب الفقهية السائدة، هذا وإن كان الاتفاق واقعا بين المعاصرين على تقديم الدليل المباشر إلا أنهم اختلفوا في طريقة إعماله من جهة، وطريقة التعامل مع الموروث المذهبيّ من جهة أخرى، وهم في ذلك على مراتب متفاوتة، ولنذكر هنا بعض الأمثلة التي تبين طرائق المعاصرين في التفقّه.
كتاب " فقه السنة " لسيد سابق – رحمه الله-، حيث يعد أول تجربة جاءت كبديل عن التفقّه المذهبي، وقد أوضح –رحمه الله- بواعثه وطريقته فيه، من ذلك قوله :" ...فهذا الكتاب يتناول مسائل في الفقه الإسلامي مقرونة بأدلتها من صريح الكتاب والسنة، و مما أجمعت عليه الأمة.
وقد عرضت بسهولة، وبسط واستيعاب لكثير مما يحتاج إليه المسلم، مع تجنب ذكر الخلاف إلا إذا وجد ما يسوغ ذكره فنشير إليه.
وهو بهذا يعطي صورة صحيحة للفقه الإسلامي الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم، ويفتح للناس باب الفهم عن الله ورسوله، ويجمعهم على الكتاب والسنة، ويقضي على الخلاف وبدعة التعصب للمذهب، كما يقضي على الخرافة القائلة : بأن باب الاجتهاد قد سدّ.
وهذه محاولات أردنا بها خدمة ديننا، ومنفعة إخواننا "(ص7\1).
ويقول بعد ذكره قاعدة عامة من قواعد الإسلام وهي : رد المسائل المتنازع فيها إلى الكتاب والسنة :" والتقليد والتعصب للمذاهب فقدت الأمة الهداية بالكتاب والسنة، وحدث القول بانسداد باب الاجتهاد، وصارت الشريعة هي أقوال الفقهاء، وأقوال الفقهاء هي الشريعة، واعتبر كل من يخرج عن أقوال مبتدعا لا يوثق بأقواله، ولا يعتد بفتاويه.
وكان مما ساعد على هذا انتشار هذه الروح الرجعية، ما قام به الحكام والأغنياء من إنشاء المدارس...وأخيرا انتهى الأمر بالتشريع الإسلامي، الذي نظم الله به حياة الناس جميعا، وجعله سلاحا لمعاشهم ومعادهم، إلى دركة لم يسبق لها مثيل؛ ونزل إلى هوة سحيقة، وأصبح الاشتغال به مفسدة للعقل والقلب، ومضيعة للزمن، لا يفيد في دين الله ولا ينظم من حياة الناس "( 13-14\1).
وبعد هذا العرض يمكن أن نسأل سؤالا، ما هي درجة التفقّه التي قدمها السيد سابق –رحمه الله- في كتابه " فقه السنة " ؟! وهل حقق الاجتهاد الذي دعا إليه ؟ وكيف يكون الأمر لو قام علماء آخرون بتقديم نموذج ثان وثالث، وكل باجتهاده وما يراه ؟
والحقيقة أن الدعوى التي أطلقها السيد سابق – رحمه الله- في كتابه أكبر بكثير من الأجوبة التي قدمها، وغاية الأمر أنه قدم الفقه بصورة تَخفف فيها من الخلاف بين المذاهب، ثم اعتمد قولا واحدا رآه صوابا، واكتفى بالتدليل على ذلك بالأدلة المباشرة مما انعكس على عدد المسائل في الكتاب، وقد ظهر ضعف البعد الأصولي في معالجة مسائل الفقه كما ظهر التناقض في التعامل مع هذه الأصول ما بين إعمالها وإهمالها، كما قاد إعمال الدليل المباشر إلى العناية بتقريرات الإمام الشوكاني –رحمه الله- في بعض الأحيان، ومع هذا اعتمد سيد سابق –رحمه الله- فقه المذاهب كموروث فقهي، وقد بدا هذا الخلل مقبولا في ذلك الوقت حيث غابت المآلات، خصوصا وأن الخلل قد دخل على المنهج الأصولي الناظم للمعلومة الفقهية، على أن هذا النوع من الفقه هو الأوسع انتشارا عند المعاصرين وهم فيه على مراتب متعددة، ولا يفوتني التنبيه على أحد المنطلقات المؤثرة في فقه السيد سابق ومن سار وفق هذه الطريقة، وهو نبذ الخلاف واجتماع الأمة على القول الراجح المواقف للدليل، كان له أثر ظاهر في طبيعة الاختيارات الفقهية حيث تميل إلى نوع اختيار الأسهل من الأقوال، وقد فشا هذا النوع من الترجيح والاختيار لدى بعض الجماعات الدعوية.
ومن الأمثلة على التفقّه عند المعاصرين، فقه أئمة الدعوة النجدية، وقد سار أئمة الدعوة في فقههم على طريقة أئمة المذاهب، والتزموا مذهب الإمام أحمد –رحمه الله- وقد نصوا على هذا في كثير من المواضع في كتبهم ورسائلهم، من ذلك ما جاء في "الدرر السنية " كما في رسالة الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبدالوهاب –رحمهم الله- وفيها :" ونحن أيضا في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ولا ننكر على من قلد أحد الأئمة الأربعة، دون غيرهم، لعدم ضبط مذاهب الغير؛ الرافضة، والزيدية، والأمامية، ونحوهم "( 1\227).
ومثل هذا مشهور في كتب ورسائل أئمة الدعوة، فنسبتهم للإمام أحمد ظاهرة، يقول الشيخ صلاح بن محمد آل الشيخ في كتابه " المنهج الفقهي لأئمة الدعوة السلفية النجدية ": ...فالإمام محمد بن عبد الوهاب وأئمة الدعوة، ليست لهم أصول مستقلة، بل هم قد ارتضوا مذهب الإمام أحمد بن حنبل ومنهجه الفقهي في الاستدلال، ودرسوا فقهه، وتعلموه وعلموه، وانتسبوا إليه "( ص251)، ولذلك انتشر المذهب بين أبناء الدعوة النجدية، وازدهرت حلقاته وانتشرت كتبه انتشارا كبيرا، ومع هذا القدر الظاهر من الانتساب للمدرسة الفقهية المذهبية وللحنبلية، فعين الناظر لا تخطئ ذلك القدر من الاختلاف وتلك النزعة الفقهية التي ظهرت في تقريرات أئمة الدعوة ومن بعدهم المدرسة النجدية الحنبلية، وقد أوجب هذا الاختلاف دخول محددات جديدة، وقد عبر عن ذلك بعض أئمة الدعوة، كقول الشيخ عبد الله في رسالته أنفة الذكر :" ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق، ولا أحد لدينا يدعيها، إلا أننا في بعض المسائل إذا صح لنا نص جلي من كتاب، أو حديث غير منسوخ، ولا مخصص، ولا معارض بأقوى منه، وقال به أحد الأئمة الأربعة : أخذنا به، وتركنا المذهب..."( السابق 1\ 277)، وقال :" ثم إنا نستعين على فهم كتاب الله، بالتفاسير المتداولة المعتبرة، ومن أجلّها لدينا تفسير ابن جرير ومختصره لابن كثير الشافعي، وكذا البغوي، والخازن...وعلى فهم الحديث، بشروح الأئمة المبرزين : كالعسقلاني، والقسطلاني، على البخاري، والنووي على مسلم، والمناوي على الجامع الصغير "( السابق 1\227-228)، وقال الشيخ صلاح بن محمد :" وقد التزموا في اختياراتهم الفقهية تقديم الأصول التي أصلها علماء الإسلام وأئمة المذاهب، ووجهوا تلاميذهم والناس بلزومها وتقديمها، وجعلوا الرد إليها عند التنازع، فإذا رأوا حكما في المذهب خالف الاستدلال فيه الأصول، والمنهج المرضي في الاستدلال، خالفوه وردوا الحكم فيه بحسب ما تقتضيه الأصول "( المنهج الفقهي ص252)، وقال :" وهم أيضا قد ارتضوا أصول وفقه شيخ الإسلام ابن تيمية، وتابعوه في كثير من اختياراته، وتأثروا به في التحرر من التقليد والتعصب "( السابق، نفس الصفحة)، وقال أيضا :" وقد اعتنى أئمة الدعوة السلفية في نجد، تعلما وتعليما، بكتب هؤلاء الأعلام، واستفادوا منها، في فقه الحديث، وأوجه الاستدلال والترجيح، وهذا ظاهر في سيرتهم وأقوالهم وفتاواهم فالشيخ سليمان بن عبد الله، معدود من الحفاظ المحدثين، ورحل بعضهم كالشيخ إسحاق بن عبد الرحمن، والشيخ سعد بن عتيق، طلبا لعلم الحديث من علمائه البارزين في الهند، وكثيرا ما ينقلون ويختارون اختيارات أهل الحديث فيقولون موافقين لهم في فتاواهم: وهذا الذي عليه أهل الحديث والفقه، وهذا اختيار العلماء من أهل الحديث والفقه "(ص 242)
يظهر لنا من خلال ما تقدم عرضه، التزام أئمة الدعوة وعموم المدرسة النجدية لميراث المذاهب الفقهية، والسير على طريقة الإمام أحمد وإتباع مذهبه، وهذا كما تقدم من أسباب انتعاش المذهب الحنبلي في وقت ضعف فيه المذاهب في سائر البلاد، خصوصا في مهده الشامي، إلا أن المحددات الفقهية الجديدة، كان لها أثر ظاهر في الخروج عن مقررات المذهب، من ذلك :
تقديم الدليل المباشر، مما استدعى فتح باب الاجتهاد، وجواز مخالفة المذهب، مع التقيد بأقوال الأئمة الأربعة المتبوعين أو بعضهم .
التأثر بالنزعة التيمية، وهو مما عزز مبدأ الاجتهاد .
التأثر بالنزعة الحديثية من خلال اعتماد كتب شروح الحديث، ومقررات مدرسة الحديث في الهند.
هذه العوامل مجتمعة أضعفت النمو الطبيعي للمذهب حيث ضعفت الشروح المذهبية وحركة التأليف، وغاب التخريج المذهبي، وإنما كان الجهد منحصرا غالبا في التدليل على المسائل الفقهية المدونة في متون المذهب، وأما النوازل فعولجت على ضوء المذهب الأصيل دون التخريج على وفروع المذاهب الفقهية، ومنها الحنبلي .
ومن أمثلة التفقّه عند المعاصرين، فقه الشيخ ناصر الدين الألباني –رحمه الله – وإنما خص بالذكر لما له من أثر على شريحة واسعة من المعاصرين، ولوضوح طريقته في التعامل مع المذاهب الفقهية وطريقة التفقّه التي تبناها ودعا إليها، فقد كان الشيخ - رحمه الله – لا يرى التقيد بالمذاهب ويعد ذلك من التقليد، ويدعو إلى الفقه المقارن، وهو فقه غير معهود عند المتفقه من أتباع المذاهب، وإنما بُني فقه الخلاف عندهم على تحرير المذهب أولا ثم النظر في أدلة المخالفين، نظرا ينطوي على صحة المذهب ابتداءً، وأما الفقه المقارن فهو يعتمد الدليل المباشر، من غير اعتماد على مذهب بعينه بل يجري الأمر فيه مجرى الترجيح بين الأدلة، وهنا يظهر أثر العمق الأصولي لدى الباحث، ومما ورد في كلام الشيخ ناصر –رحمه الله - قوله :"...أنني توخيت بذلك أن أكون عونا لطلاب العلم والفقه عامة، والحنابلة منهم خاصة، الذين هم –فيما علمت – أقرب الناس إلى السنة على السلوك معنا في طريق الاستقلال الفكري الذي يعرف اليوم بالفقه المقارن "(إرواء الغليل 1/9)
وعند التأمل في تراث الشيخ –رحمه الله - ترى أن ثمة محددات فكرية قد وجدت كان لها أثر كبير على كل من تأثر به، من ذلك :
نزعة الاجتهاد التي تبناها الشيخ، وكان الاعتماد فيها على الدليل المباشر، إلا أن الشيخ تميز بتوسعه في معرفة الحديث وإن كان قد سار فيه باجتهاد ظهر فيه قدر من الاختصاص والمخالفة، وهذا كان له أثر في اختيارات الشيخ الفقهية، ومن هذا الباب قوله –رحمه الله - :" ولما كان موضوع الكتاب إنما هو بيان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، كان من البدهي أن لا أتقيد فيه بمذهب معين، للسبب الذي مر ذكره، وإنما أورد فيه ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم، كما هو مذهب المحدثين قديما وحديثا، وقد أحسن من قال :
أهل الحديث هم أهل النبي وان لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا 
(صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم 1/22)
 
الموقف الحازم من التفقّه المذهبي، حيث أكثر الشيخ –رحمه الله – من نقد التفقّه المذهبي من حيث الالتزام بما فيه، وهو –عنده- من التقليد المذموم، وهذا بدوره عمق الفجوة بين التراث المذهبي وشريحة غير قليلة في واقعنا المعاصر، ومن ذلك قول الشيخ :" والحقيقة أنه يدخل في هذا الوصف (يعني في مفهوم الجهال ) المقلدة الذين قَنِعوا من العلم بمعرفة اجتهادات الأئمة وتقليدهم فيها على غير بصيرة"(الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام 1/78).
ما تقدم وصفه من ممهدات مؤثرة في منهج الشيخ الألباني الفقهي، تسبب في ظهور عدد من المسائل الفقهية المتكلم فيها، كما ظهر نوع انقطاع عن المذاهب الفقهية والتراث الفقهي،، وأشد مظاهر ذلك أن جعلت السلفية كمفهوم علمي معرفي في مقابلة المذهب، وهذا أمر في غاية الخطورة، وهذا بطبيعة الحال استدعى إعادة النظر في أحكام قد تقررت في التراث المذهبي وسار عليها جمع من أهل العلم.
 
قراءة في طرائق التفقّه عند المعاصرين :
 
كان لطرائق التفقّه عند المعاصرين اثر ولا بد في المدرسة الفقهية المعاصرة، تظهر في عدد من النتائج، من ذلك :
غياب التفقّه المذهبي وضعف تصوره، وقد دخل في هذا الباب مبالغات حتى عدَّ مجرد الانتساب للمذهب أمرا مردودا، وسمي صاحبه مقلدا، من غير مراعاة لقرون طويلة مضت على الأمة انتسب فيها العلماء للمذاهب الفقهية من غير نكير، وقد تسبب هذا الموقف بانحصار المذاهب الفقهية لحساب طرائق متعددة تقدم ذكرها، ونتج عن هذا الموقف نتائج منها :
عدم فهم طبيعة المذاهب وغياب البعد التاريخي لتطور المذاهب، مع التنبيه على أن الطبيعة المذهبية موجودةٌ قبل وجود المذاهب، والقدر من التقليد والاتباع قد وجد في مدارس التابعين، وهذا القدر أساس في تشكل المذاهب الفقهية، كما ينبه على أن الخلاف له حد ينتهي إليه من حيث طبيعة الاستدلال، وما استودعه أصحاب المذاهب هو القدر الممكن من الخلاف لا يخرج عنه إلا النزر اليسير، يقول ابن خلون –رحمه الله - :" فأقيمت هذه المذاهب الأربعة على أصول الملة، وأجري الخلاف بين المتمسكين بها، والآخذين بأحكامها مجرى الخلاف في النصوص الشرعية والأصولية الفقهية "( المقدمة ص494)، وهذا الكلام هو توصيف للطور الفقهي الذي بلغته المذاهب الأربعة، وأنها احتوت الممكن من طرائق البحث والنظر كل فيما اختص به من المسائل، ومن هنا منع من الخروج عن هذه المذاهب، إلا في حدود ضيقة كالأخذ بقول إمام من الأئمة المجتهدين في عصرهم إذا وافقه الدليل، وملاحظة هذا القدر من البعد التأسيسي والتطور التاريخي للفقه واستقراره في المذاهب الأربعة من الأمور المهمة، حيث أدى تجاوزه إلى العودة غير الممكنة لتلك المرحلة، وحال هذا الرجوع كحال تأسيس مذهب جديد، وهو بطبيعة الحال غير ممكن.
كما كان من آثار ضعف تصور المذاهب، انعدام التخريج المذهبي وهي نتيجة طبيعية للحالة المتقدمة، وقد أثر ذلك في التعامل مع التراث المذهبي، وفي بناء الأحكام عليه، فبنيت المسائل المستجدة والنوازل على الدليل المباشر، مما عمق الفجوة مع تراث المذاهب، وهنا نشأ ما يعرف بالفقه الأصيل، حيث يقوم جوهره على الدعوة إلى العودة إلى فقه الصحابة والتابعين من غير مراعاة للأطوار التي مرّ بها الفقه وما دخله من تطور هو من طبيعة العلم، وهذا بدوره كان سببا في ظهور اجتهادات غير معهودة، وأشد من ذلك غياب المرجعية التاريخية مما كان أثر على طبيعة التفقّه وانتشرت الظاهرية الفقهية غير المنضبطة مما انعكس على نظام التدين في المجتمعات الإسلامية.
ومن النتائج المهمة أيضا؛ الاقتصار على درجتين من درجات التفقّه، فالأمر يدور بين اجتهاد أو تقليد من غير مراعاة لدرجات التفقّه في المذاهب، وهي متعددة ومتفاوتة، وهذا بدوره عمق الخلاف في الواقع ونقله إلى نوع من القطع بعد أن كان في حيز الظنّ في كثير من أحواله، حيث شابه مرحلة التأسيس لمدارس الفقه الأولى، وقد ازداد الأمر صعوبة على الواقع عندما انتقل الفقه من حيز المدارس التاريخية إلى حيز الجماعات الدعوية، وقد تأثر الفقه كثيرا عندما نُزّلت مسائله منزلة الاعتقاد، وهنا رأينا رفضا لاجتهادات الآخرين، والاقتصار في العلم والمباحثة على قول واحد يتبناه صاحبه بناءً على ما ظهر له من الدليل من غير مراعاة لمراتب الأدلة، وقد ظهرت ألقاب غير معتادة في الدرس الفقهي في طوره المذهبي كوصف المخالف بالبدعة ومخالفة السنّة، والحزبيّة، ونحو ذلك.
 
والله أعلم
 
مرات التقييم:«37»

أضف تعليقاً

إن أردت إبلاغك عندما يتم الرد عليك
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.

More information about formatting options

التحقّق
منعاً لبرامج الإزعاج "سبام" نرجو منك الإجابة على السؤال التالي:
1 + 19 =
مثال: 5 + 5 = 10