بين أحمد شاكر وعبدالعزيز فهمي.. تاريخ يُروى وآخر يطوى

محمد بن حسن الشهري: مما لا شك فيه ولا مرية بقاء سنَّة الله عز وجل في خلقه، فالصراع بين الحق والباطل قائم إلى قيام الساعة، ومما لا يمكن إغفاله هو أن للحق أنصاراً كما للباطل أبواقاً، والعبرة لا تقف هنا! إنما العبرة ما هي سنَّة الله تعالى التي لا تجد لها تبديلاً مع أنصار الحق وأبواق الباطل. يختلف أنصار الحق والباطل في كل زمان ومكان في أسمائهم وأشكالهم، إلا أن سنَّة الله تعالى في كلٍّ من الفريقين ثابتة لا تختلف، فالحق وأنصاره منصورون، والباطل وأتباعه مدحورون.

قال الله تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ...)
ومن مشاهد التاريخ المتوالية ما كان من صراع بين الفريقين في حقبة زمنية ليست بالبعيدة، تحمل في طياتها كثيراً من العبر والعظات، وترسم لدعاة الحق في كل زمان درساً مكرَّساً مع دروس سبقته عظمةً وإجلالاً.
ففي سنة 1943م قام الأستاذ عبدالعزيز فهمي باشا رئيس محكمة النقض آنذاك بالتقدم باقتراح لمجمع اللغة العربية -يَعْجَبُ منه العجمي قبل العربي- يدعو فيه إلى كتابة العربية بالأحرف اللاتينية، وأن تكون العامية هي اللغة الرسمية في البلاد!
ومن عرف الأستاذ عبدالعزيز فهمي وما يحمله من توجه علماني -للأسف- لا يستغرب طرقه لباب سرداب مظلم كهذا!
وجاءت –بطبيعة الحال- الردود من الغيورين على لغة القرآن من كبار أساتذة الشريعة والأدب بمصر؛ دامغةً اقتراح الأستاذ عبدالعزيز فهمي والتي ليست من بنيات أفكاره، وإنما تلقاها من المستشرقين، فهي فكرة بثَّ سمها المستشرق (ولهلم سبيتا) الصليبي الألماني، ولم يكن عبدالعزيز فهمي هو الوحيد الذي نشط لدعوة (ولهلم سبيتا) لكنَّه كان أشقى القوم بإفشاء مكنون قلبه فيها، -ولمعرفة المزيد حول دعوة المستشرق الصلبيني (ولهلم سبيتا) انظر إلى كتاب "أجنحة المكر الثلاثة" لعبدالرحمن حسن جبنكة الميداني، ص359، دار القلم- وهي امتداد لمواصلة خطة بدأها الاستعمار البريطاني بقيادة (ولكوكس) سنة 1899م، فكان الأستاذ عبدالعزيز فهمي-كما اعترف هو بنفسه- داعية إلى دعوة المستشرقين للجناية على العربية لغة القرآن، فقال في افتتاح اقتراحه الآنف ذكره ما نصه: "لا شك عندي أن حضرات المستشرقين من بريطانيين وفرنسيين وإيطاليين وألمان وأمريكيين، يَعْجَبون منا نحن الضعاف الذين يطأطئون كواهلهم أمام تمثال اللغة، لحمل أوزار ألف وخمسمائة سنة مضت" ويقول كذلك: "لكنَّ حال اللغة العربية حالٌ غريبة، بل أغرب من الغريبة، لأنها مع سريان التطور في مفاصلها، وتحتيتها في عدة بلاد من آسية وأفريقية إلى لهجات لا يعلم عددها إلا الله، لم يدر بخلد أية سلطة في أي بلد من تلك البلاد المنفصلة سياسياً أن يجعل من لهجة أهله لغة قائمة بذاتها، لها نحوها وصرفها، وتكون هي المستعملة في الكلام الملفوظ وفي الكتابة معاً، تيسراً على الناس، كما فعل الفرنسيون والإيطاليون والأسبان، أو كما فعل اليونان، لم يعالج أي بلد هذا التيسير، وبقي أهل اللغة العربية من أتعس خلق الله في الحياة" انتهى.
إلى غير ذلك من ترهات وغرابات الأستاذ عبدالعزيز فهمي في اقتراحه للمجمع.
وكان من أقدار الله المؤلمة على الأستاذ عبدالعزيز فهمي أن سخَّر الله عز وجل للردِّ عليه إمام أهل الحديث والتحقيق العلَّامة الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله، ويكفي لكل ذي لبٍّ أن نقول له: أحمد شاكر، فهو نجم ساطع في سماء العلم، وماء عذبٌ زلالٌ يروي كل غليل، وموسوعةٌ عظمى شهدت له مفاتح العلم في زمنه، وتقلد بوسام ثناء كبار علماء الإسلام -ولا غرابة- فأحمد شاكر هو اسم نقش على صفحات كتب الحديث النبوي، وديوان ذكرى خالدة تحمل عطر أنفاس رواة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
وهنا سؤال مهم: هل يمكن لعالم من علماء الحديث كالشيخ العلامة أحمد شاكر أن يتصدى بالرد على الأستاذ عبدالعزيز فهمي والذي له باع في الأدب؟
الجواب: من قرأ سيرة العلامة المحقق أحمد شاكر عرف علو كعبه في الأدب، كيف وقد كان من أخص شيوخه العلامة الأديب عبدالسلام الفقي رحمه الله؛ والذي درس عليه الشيخ أحمد شاكر أصول الأدب وصناعة الشعر حتى استشربها، في حقبة زمنية لم يكن يستطيل أحد أن يجلس للتدريس في القاهرة يومها إلا من كان إماما في فنه.
ناهيك عما قام به العلامة أحمد شاكر من تحقيق كثير من كتب الأدب والشعر، فهي صنعته.
(لمعرفة المزيد من ترجمة العلامة أحمد شاكر راجع جمهرة مقالات الأستاذ محمود شاكر 1013/2 مكتبة الخانجي)
قام الأستاذ الكبير بالردِّ عليه ردًّا لا هوادة فيه، يصالح فيه كل لبيب، ويؤدب فيه كل مضطرب بليد، راح فيه الأستاذ عبدالعزيز فهي ضحية من ضحايا التاريخ أن كان في يوم خصماً لأستاذ العلماء أحمد شاكر رحمه الله، فصنف فيه رسالة أوضحت معنى حقيقة الجهل المركب، والمرض العضال الذي كان ابتلي به الأستاذ عبدالعزيز فهمي من محاولة لدسِّ السمِّ في العسل، وإضعاف هيبة العربية لغة القرآن العظيم، ومحاولة مقارعة العلماء الأجلاء، كوعل يناطح الجبل الأشم! فكانت حجة الأستاذ المحقق أحمد شاكر دامغةً –كما هي سنة الله تعالى- لبوق كان ينفخه الأستاذ عبدالعزيز فهمي مما تلقاه من مدرسة الإفرنج، وبئس المدرسة!
ألَّف الإمام أحمد شاكر رحمه الله رسالة أسماها: "الشرع واللغة" كانت أول طبعة لها سنة: 1945م بدار المعارف بمصر، من قرأها وتأمل فيها استشعر حقيقة اعتزاز المؤمن بدينه الذي لا تبديل فيه ولا تحريف، واستبان له وضاعة من يصفقون للغرب ممن تأرجحت عقولهم فتنة بما لديهم من غرور وتقلب في الحياة الدنيا، فكان من أعظم ما قال موجهاً كلامه لعبدالعزيز فهمي، كما في صفحة 59-60: "ولكنا نسأله سؤالاً واحداً –أي عبدالعزيز فهمي-: أيمكن أن يُؤدَّى نطق القرآن أداء صحيحا موافقاً للعربية إذا ما كتب بالحروف اللاتينية، وخاصة في حال الوقف على رؤوس الآي أو في أثنائها؟ أظنه يعلم أن أواخر الكلم إذا كانت متحركة – وهو الأكثر في الكلام- وجب الوقف عليها بالسكون، وإذا كان الحرف منوناً مفتوحاً وُقِفَ عليه بالألف، وهو يقترح أن يُدلَّ على الحركة بحرف مدٍّ يسميه (حرف حركة) وأن يُدل على التنوين بحرف مدٍّ بعده حرف النون، فماذا يفعل القارئ؟! أيحذف في كل وقف من المكتوب حرفاً أو حرفين، أم يقرأ القرآن إفرنجياً؟!
ألسنا معذورين إذا ظننا صادقين أنه ينبغي قطعَ الصلة بين هذه الأمة العربية وبين قديمها، وخاصة القرآن والحديث، تنفيذاً لخطة قديمة معروفة، لم يخامرنا فيها شك، دلَّ عليها قلمه حين خانه، فجعل عمل رجال الدين أن يحلوا رموز مالم يطبع بالرسم الجديد؟!
ثم ماذا يريد صاحب المعالي هذا -يعني: عبدالعزيز فهمي-يصنع بالقرآن؟ إنه يريد أن يفتح الباب للعبث به وبقراءاته عامداً متعمداً. فقد أدخل نفسه مداخل لا يُحسِن الخروج منها، ولا منجى له من عواقبها" انتهى.
لم يكن الأستاذ عبدالعزيز فهمي هو الوحيد الذي يدعو بدعوة المستشرقين للجناية بالعربية لغة القرآن، فقد كان معه في الصف نفسه لطفي السيد وطه حسين، ولم يكن الإمام أحمد شاكر هو الوحيد الذي دافع عن لغة القرآن، وكشف ألاعيب المتفرنجين آنذاك؛ فقد هبَّ معه الأستاذ الكبير مصطفى صادق الرافعي والأستاذ الأديب عباس محمود العقاد والأستاذ الأديب عبدالرحمن البرقوقي وأستاذ الأدب محمود محمد شاكر رحمة الله عليهم.
كانت صولات وجولات، وحجج وبراهين، ودفاع عن الإسلام ولغة القرآن.
وفي المقابل؛ كان -وللأسف- الأستاذ عبدالعزيز فهمي يسفه كل مخالف له، ويجرم فكره، ويتهمه في نيته، في موقف محزن جداً يستشعره كل من مر على ردِّه مرور الكرام.
ولا غرابة أن يتطاول الأستاذ عبدالعزيز فهمي على كل مخالف له، فإن طريقة أصحاب الباطل والحجة الضعيفة هي الصراخ وإثارة الغبار ليتسنى لهم الهرب وسط اللجج!
بعدها... مات أحمد شاكر ومات عبدالعزيز فهمي.
وصدق الله: {فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} فهذا التاريخ يحفظ للإمام المحقق الكبير أحمد شاكر رحمه الله تراثاً إسلاميا أدبياً عظيماً، وإجلالاً في قلوب المؤمنين، يكفيك تحقيقه لمسند الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله والذي تولى طبعه الملك الصالح الموحد للجزيرة العربية عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود أسكنه الله الفردوس الأعلى من الجنة، وغيرها كثير جداً يطول المقام عن وصفه وذكره؛ مابين تحقيق وتصنيف، وشرح وتعليق، وتصحيح نص وإبانة معنى؛ بل وما زالت الكليات الجامعية تصدر الرسائل العليا في الإمام أحمد شاكر. 
وهذا الأستاذ عبدالعزيز فهمي قد أفل نجمه، وذهبت مناصبه، ومزَّق الله اقتراحه حتى صار هذا الاقتراح في وادٍ سحيق، لأن الحق جل وعلا قد قال وهو أصدق القائلين: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).
ختاماً: قد يقول قائل: ما بالك قسوت على الأستاذ عبدالعزيز فهمي في خطابك؟!
فأقول له: لم يكن يهمني يوماً عبدالعزيز فهمي؛ ولم أقصده لذاته، وإنما هي قسوة على (ضِئْضِئ) عبدالعزيز فهمي، ورسالة لهم، فالتاريخ سيجعلهم يوما جفاءً كما جعل هؤلاء جفاءً.
فإن (ضِئْضِئ) عبدالعزيز فهمي في الناس كثير لا كثرهم الله، فهم يتقاسمون معه الصراخ على المخالف، وضعف الحجة، وإلقاء التهم، والتشكيك في النوايا، والفتنة بالغرب الكافر، بحجة إجلال العلم والمعرفة والتقدُّم، لكن على حساب الشريعة الربانية، والسنة المحمدية، والله جل وعلا يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ).
والذي يظنه المساكين أن دفاعنا عن إسلامنا وشريعتنا وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو إقصاء ورغبة عما عند الغرب الكافر من التطور والتقدم!
وهذا ورب جبرائيل وميكائيل لهو الفجور في الخصومة.
فلا رفض عندنا عما سخره الله تعالى عند الغرب فيما أباحه الله لنا، لكن رفضنا ومنازعتنا لما يخدش ديننا، ويقدح في سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وما فيه تبديد لقيمنا.
وقد يقول آخر: يوجد من ألَّف في سيرة الأستاذ عبدالعزيز فهمي، ويوجد شارع في مصر باسمه، ومدرسة، وهناك من يمدحه!
فأقول له: ليست العبرة بمادح وتسمية شارع، وإنما العبرة بمن وفقه الله، وكان مطواعاً لله، وبذل عمره لنصرة الإسلام، وأثنى عليه الصالحون من عباد الله، فهم شهداء الله في أرضه.
رحم الله الإمام الأستاذ أحمد محمد شاكر وأسكنه فسيح جناته، وجزاه على ما قدَّم للإسلام والمسلمين خير الجزاء.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
مرات التقييم:«44»

أضف تعليقاً

إن أردت إبلاغك عندما يتم الرد عليك
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.

More information about formatting options

التحقّق
منعاً لبرامج الإزعاج "سبام" نرجو منك الإجابة على السؤال التالي:
1 + 2 =
مثال: 5 + 5 = 10