جهود المدرسة السلفية في التصدي للظاهرة الإلحادية.. محاولة تهميش متعمدة!

 
أحمد محمد بلقيس
 
الحمد لله وحده ..
 
لا تنفك الكتابات الصحفية والمؤدلجة – كما يسميها بعضهم – من اتهام التيار السلفي عموما، الوهابي منه خصوصا بأنه منبع لكل ما يكرهه الله من عقائد وأفكار، وأنها تدفع بخطابها الركيك والمتعالي المسلم وغيره إلى العنف الفكري والعملي، إما بالدعشنة أو الإلحاد !
 
وهذه التهمة المركبة من جزئين: جزء يختص في جانب التقريرات العقدية عند التيار السلفي، والجانب الآخر يختص في التصرفات العملية لدى هذا التيار، تعتبر أهم التهم التي توجه لهذا التيار منذ نشوئه إلى اليوم وصور التجديد المتكررة لإبقاء هذه التهمة متربعة على عرش هذه التهم؛ كونها تضرب هذا التيار العقدي المميز، في أهم ما يجب ضربه : الفكر وهو متمثل بالعقيدة ، والثمرة المتمثلة بالعمل.[1]
 
وصور التجديد لهذه التهمة تتمثل في طبيعة العقيدة الفاسدة التي يؤدي إليه هذا التيار في حال الانتساب له – حسب زعمهم – فمثلا : قديما كانت تعد تقريرات ابن تيمية[2] العقدية هي المدخل إلى التجسيم والتكفير ، فكان ابن السبكي والهيتمي قد سن كل منهما رماحه وأقلامه للتشنيع على ابن تيمية فيما ذهب إليه ، فطالت ردوده من المسائل العقدية إلى الفقهية، ليخلصا إلى أمرين:
 
1.أن ابن تيمية فاسد العقيدة ومفسد لها ، مكفر للمسلمين.
 
2.وأن ابن تيمية خارق للإجماع.
 
 
 
هذا التشنيع لم يكن المقصود منه إسقاط أشخاص أو حتى المنهج الفكري العقدي الخاص بابن تيمية؛ ولكن برأيي هو محاولة لإبراز مدرسة المتكلمين على أنها صاحبة الشأن في الرد على أهل البدع والزندقة من أرباب الملل والنحل المختلفة = مما يعني محاولة استئثار لساحة الرد على المبتدعة، وحصرها في طريقة المتكلمين ونظامهم الفكري، وأن أية محاولة للخروج عن طريقتهم هي محاولة فاشلة لا يمكن أن تؤتي ثمارها بحال، والهجوم على ابن تيمية كان لبروز نجمه في ساحة النقاشات العقدية، والردود على كل الفرق المختلفة.
 
 
 
لو استعرضنا هذه الحقبة للمتكلمين وقد كان عصرا ذهبيا لهم بلا شك ، فكانت كتاباتهم تهتم جدا بالرد على مدارس الفلسفة، وتفنيد أقوالها، والرد على أفراخ الفلاسفة من المعتزلة، وهذا لا شك أنه كان هو المثار في تلك الحقبة الزمنية، فكانت الكتابات الكلامية تتجه بهذا الاتجاه.
 
هذه الكتابات والتقريرات كانت موحلة جدا ، مع أنها كانت نافعة ومشهود لها في تقرير عقائد الدين والدفاع عنها ، إلا أنها مع الأسف كانت تحوي ما تحويه من تقريرات باطلة والتزام بالتزامات ما كان ينبغي أن تكون ، وأثرها كان رجعيا سيئا؛ فأنشأ صورة من صور التأويل الفاسد للنصوص الشرعية : إذ إن المتكلم كان يقرر المقررات الكلامية على الميزان العقلي مجاراة للخصم ، فإذا عاد إلى بعض النصوص بعد أن يفرغ من خصمه اضطر إلى أن يقوم بحملة تأويلية قاسية؛ ليثبت فيه على ما قرره.
 
أضف إلى هذا أن بعض الردود كانت تشكل نوعا من ردات الفعل المناقضة تماما ، فرورا من التقريرات الفلسفية الفاسدة ، ولست في مقام الإسهاب في هذا الباب فسنعرض عن ضرب الأمثال.
 
في الوقت ذاته كانت الكتابات السلفية تعد أشبه بالكتابات التقويمية ، لتصحيح الأخطاء والفجوات في خطاب المتكلمين في وجه خصومهم من الفلاسفة والمعتزلة ، وكذلك كانت أكثر ثباتا من نظائرها عند المتكلمين؛ لأنها تبتعد عن الغلو في الرد ، والخنوع في التزام الأقوال الفاسدة.
 
و تستمر هذه التهمة في التمدد إلى يومنا هذا ، فتكون السلفية المعاصرة أحد منابع الإرهاب الفكري ، والإلحاد والزندقة إما بالمحتوى أو بطريقة الدعوة – على حد وصفهم – وتكون جهودها – أي السلفية المعاصرة – لا تكاد تخرج من أبواب الحيض والنفاس والعيش مع محاربة الأصنام التي بادت مع أبي جهل و كفار قريش !
 
هذه النظرة القاصرة المتعالية التي يعيش فيها أبناء المدارس الكلامية لا تمت إلى حقيقة واقعنا المعاصر بأي شكل من الأشكال؛ بل يمكننا القول وبكل ثقة إن أبناء هذه المدرسة هم ما زالوا يعيشون بين أغلال الطرق الكلامية الجامدة في مناقشة المخالف ، وعدم قدرتهم على الخروج من هذا الحيز الضيق والمحاولات التبريرية والتحسينية والعمليات التجميلية لهذا الخطاب المتهالك في جملته.
 
يمكنك يا سيدي أن تأخذ نظرة سريعة على بعض ما ألف في هذا الباب من محاولات الرد على الملاحدة والماديين ، ستجده لا يخرج عن تقريرات الرازي – واعتباره أصلا وليس استئناسا – ، وسيظهر أيضا ضعف هذه الكتابات تظهر في باب تقرير الأقوال وتحريرها.
 
وكما أن كتابات الرازي كانت تمتاز بأنها تقدم الشبهة نقدا والجواب نسيئة ، فهذه الكتابات المعاصرة كذلك !
 
لتتضح الصورة يمكنك أن تشاهد بعض الحلقات المختلفة للدكتور سعيد فودة أو الدكتور أسامة الأزهري أو الحبيب الجفري ، لتتضح لك بعض ملامح هذا الخطاب:
 
1.جل ما قرر فيها يدخل تحت الأركان الثلاثية الكلامية في تقرير وجود الخالق : بطلان الرجحان بدون مرجح – بطلان التسلسل – قانون العلة أو الغاية ، وكلها تناقش على قواعد كلامية دون اتصال بالواقع العلمي الدقيق، وما أثاره من تطورات على مدى الحقبة الزمانية الفائتة.
 
2.لست أتخذ موقفا معاديا لمثل هذه البراهين ولكن ، موقفي المعادي في طرحها طرحا بعيدا عن الواقع وعن التجددات الفكرية والشبهية[3] التي أثيرت علميا حول هذه البراهين.
 
3.أن هذه الأطروحات تتعامل مع شبه عامة تثار حول بعض الحقائق الإسلامية ، وهكذا تعامل – وإن كان مهما – إلا أنه من الواضح عدم جدوته على المدى البعيد ، فأية مناظرة لا تقض أصول المخالف تدخل تحت قولنا: كأنك يا أبو زيد ما غزيت !
 
4.كثرة إلقاء اللوم على الملتزمين مع تجاهل كثير وكثير جدا من العوامل المختلفة التي مر بها الملتزمون وشيطنتهم بل وحتى اتهام التيارات السلفية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة أنها سبب من أسباب توجه الشباب للإلحاد هي تهمة خطيرة تظهر محاولات استغلال هذا الخطاب للتراشق بين أهل الكلام والسلفيين المعاصرين.
 
5.يمكننا ملاحظة ظاهرة مصعدية[4] بكل أركانها بين الأطروحات الكلامية المعاصرة وبين المستجدات الإلحادية وهذه النقطة أظنها من أبرز نقاط الخلل التي تعيشها هذه المدرسة في تعاملها مع هذه النازلة ، والعيش بين صفحات كتاب أصل الأنواع لداروين وبعض كتابات شاوبنهاور المتشائمة، أو العكوف على تفنيد شبهات الطبائعيين من القرون البائدة وتجاهل الكتابات الجديدة التي تحمل تجديدا في الهجمة الإلحادية على الثوابت العقدية الإنسانية ؛ كفيلة لأن تظهر لك أيها القارئ كم أن هذه المنظومة الكلامية – أو القائمين عليها على الأقل – متهالكة في بنيتها الثقافية والفكرية.
 
6.محاولات حثيثة لتلميع رموز المدارس الكلامية في القرن السادس الهجري وما حوله ، وإبراز جهودهم في الرد على الطبائعيين والماديين ، كلها محاولات لاستعادة توازن القوى بين المدرسة الكلامية ونظيرتها السلفية ، فإن أردنا التحدث بلغة المقدمات المنطقية تنتج لنا هذه المعادلة:
 
7.أ- المدارس الكلامية في القديم والحديث هي التي تذب عن بيضة الإسلام.
 
8.ب- المدرسة السلفية المتهم الأول بإخراج الشباب من النور إلى الظلمات.
 
9.النتيجة: المدارس الكلامية هي أحق بالاتباع من المدرسة السلفية !
 
 
 
هذه الملامح المقتضبة لهذا الخطاب المعاصر وإن كان ليس مقصودنا في هذا المقال إلا أنه كان من الواجب علينا أن نعرج عليه ، كما لا ينبغي علينا أن نتغافل عن السقطات المعرفية حتى في كتابات البوطي في رده على الماديين والماركسيين ، وأكتفي هنا بالنقل عن أخي البحاثة المقدسي يوسف سمرين بعض ما كتبه حول هذا الكتاب ، يقول:
 
1.يحتج البوطي على الماديين بقولهم إن الدماغ عضو التفكير بالحجة التالية : ” عندما نقول إن الفكر نتاج نشاط الدماغ ، يجب أن نسلم بأن هذا النشاط يستفرغ ويستهلك من جسم صاحبه وطاقته ، كل ما يستهلكه أي نشاط مماثل ” [5]
 
2.ثم ذكر اقتباسا واحدا عن كتاب اسمه (الإنسان ذلك المجهول) عن (ألكسيس كاريل) ، جاء في الاقتباس : ” إن أقوى جهد يبذله تفكيرنا ، له تأثير تافه على تجدد خلايانا ، وهذا التأثير لا يقارن بذلك التأثير الذي يحدثه تقبّض عضلة الكتف ، حينما ترفع ثقلا يزن غرامات قليلة ”. يعني الرجل هذا أن تجدد خلايا الدماغ أقل من الكتف فماذا يستنبط البوطي ؟
 
3.يقول[6]:” فإذا ثبت أن عملية التفكير في حياة الإنسان لا تستنفد أي نشاط مما من شأنه أن تستنفده الوظائف الجسمية الأخرى ، فذلك إذن دحض علمي آخر لتصور أن التفكير هو ثمرة لنشاط ذاتي في الدماغ .”[7]
 
4.يقول سمرين: الدكتور عالق في موضوع تماثل الأجسام الذي نادت به الأشعرية !؟ ويظن أنها حتمية قطعية . الأجسام كلها من جواهر مفردة وكلها متماثلة إنما الاختلاف في كمية الجواهر المكونة لها ! وبالتالي يكون اعتراضه : إذا كان الدماغ مادة والكتف مادة إذن المادتان متساويتان، ولما يجهد المرء في تفكيره ويحرك يده يكون الأثر الحاصل على المادة مختلف إذن هو بين أمرين : 1 - إما أن مادة الدماغ لا تماثل الكتف أي اختلاف نوعي بين المادتين ، كما يقول به الماديون . 2 - الأجسام متماثلة (المادة واحدة) كما قال السادة الأشعرية ، وبالتالي فالدماغ ليس عضو التفكير . !
 
5.” أن يحصر الوعي في الدماغ دون غيره مع الانطلاق من أن الإنسان مادة فقط وثمرة متطورة للمادة فقط فذلك ما لا يجد له العلم مسوغا ، وما يظل العالم والعاقل حائرا فيه إذ يرى حصرا من دون حاصر ، وإيثارا من دون مؤثر .” [8]
 
6.يقول سمرين: لعل الدكتور يظن أنهم يقولون : بأن المادة كلها مكونة من جوهر فرد والتغير فيها فقط بحسب الكميات ! فالمادة كلها متساوية !! انظر : (الشامل في أصول الدين للجويني) ! لكن المادي يقول إن هناك اختلافا نوعيا بين مادة الدماغ ومادة اليد والرجل ، وتعقيدها المتطور المختلف (نوعيا) عن غيرها جعلها مؤهلة لوظيفة التفكير . لكن هذا تخصيص دون مخصص !!
 
7.” الأعجب ... حال هؤلاء الماديين أنفسهم ، يقولون إن الروح وما تستتبعه من إحساس وفكر ، من ثمرات المادة ومعطياتها ، فيجب بمقتضى ذلك أن يدركوا من الروح قدر الذي أدركوه من المادة وذراتها ، على أقل تقدير ... وهذا ما لا يرتاب فيه عاقل ، ولكنهم يعترفون بأنهم إلى هذه الساعة التي هم فيها لا يعلمون شيئا عن الروح ”[9]
 
8.يقول سمرين: هذه إحدى إلزاماته : إذا كنتم تقولون إن الأصل المادة وليس الروح ، إذن فكما تعلمون عن المادة فأخبرونا عن الروح التي هي فرعها . وهو هنا يخلط بين معنيين للروح ، فالمادية تقول : الأسبقية للمادة على الوعي (وقد يعبر عنه بالروح) والوعي من ثمرتها بطريقة ديلكتيكية . هنا يزج هو بالروح التي معناها (سبب الحياة) في موضوع الوعي (المثالي) . لكن المادي يرى أن سبب الحياة مادي موضوعي وليس مثاليا حتى يلزمهم بهذا ! * مجرد سوء فهم للمسألة الأساسية في المادية الديلكتيكية !!
 
09.يقول سمرين: بعد أكثر من 50 صفحة في عرض أهم أسس المادية الجدلية ، بدأ البوطي بمشروعه في نقد المادية الجدلية ، وافتتحه بقانون الديلكتيك (وحدة وصراع الأضداد) . عرض معنى : ( التناقض ، والتضاد ، والتضايف) ثم ذكر أن مرجعه في تعريفاته (الإيجي) وبعدها ذكر تعريف الماركسيين للتناقض : (التناقض هو : العلاقة بين الأضداد أما الأضداد فهي جوانب التناقض ) . وعقب على هذا بقوله : ”إنه كما نلاحظ اصطلاح لا يعرفه علماء المنطق والفلسفة وتفريق عجيب لم يقل به أحد .” ! [10]
 
10.يقول سمرين: لا أعرف بالضبط ما هو الغرض من هذا (النقد) !؟ هل بالإيجي اختزلت كل الفلسفة وجميع المنطق ؟ أم أنه يقصد أن مذهب الماركسيين مبتدع ! وليس سلفيا ! أي جديد ؟ وما قصة (لم يقل به أحد)؟! علما أنه قبل صفحتين يقول : ” الدقة العلمية في النقد ... تتمثل ... لا في امتلاك القضية كلها ، والإلقاء بها بعيدا ، بواسطة جملة من العبارات الشمولية العائمة . وهذا ما ندبت له نفسي .... ألا ألجأ ... إلى عبارات ذات معنى شولي عائم ” ! بداية مشوقة !
 
الشاهد من هذه النقول هو التأكيد على الملامح التي سبق أن ذكرناها من التمسك بألف باء الأصول الكلامية ، وضعف تحقيق الأقوال لأصحابها ، وغير ذلك من المغالطات المنطقية التي حواها الكتاب والخطاب.
 
لست أزعم أن في هذا المقال أني قد درست خطاب المتكلمة بشكل واف ، فما فعلته ليس أكثر من تسليط بقع الضوء على مكامن الخلل التي تحتاج لتتبع الأثر ومزيد إيضاح لها ، وليس هذا موضوع المقال – كما ذكرت- ولكن كان لا بد من الولوج إلى صلب المقال عبر التعريج على هذا المحور.
 
 
 
السلفية والإلحاد المعاصر:
 
 
 
مرت خمس عشرة سنة على افتتاح منتدى التوحيد[11] ، الذي يعد حجر الأساس في الخطاب السلفي المعاصر في مواجهة النوازل الإلحادية والعقدية ، ولا شك أن هذا المنتدى وما له من جهود جبارة وكتابات متميزة في هذا المجال إلا أنه لم يكن له ذلك الصيت والسبب معروف: ضعف الدعم المادي لهكذا مشاريع.
 
ولكن المثير في الأمر هو أن هذا المنتدى على قلة الدعم الذي يحظى به إلا أن بعض المقالات فيه التي واجهت هذه الحركة الفاسدة ، توزن بها عشرات المجلدات الحشوية التي كتبت في هذا الموضوع ، ولا بأس من إظهار بعض ملامح هذا الخطاب:
 
1.القارئ للمقالات على هذا المنتدى يجد فيها تأصيلا لمشكلة الإلحاد أعني أنه يؤرخ للإلحاد، ويتعامل معه معاملة تحليلية عميقة من ناحية الفكر والتاريخ قبل أن يتعرض للشبهات المثارة ، بمعنى آخر: المنتدى يأخذ موقف المهاجم لأنه يرى في نفسه أنه الطرف الأقوى في الحوار – وهو كذلك – بعيدا عن المسكنة والدفاعية التي رضت بها كثير من الكتابات في هذا الصدد ، وهذا الموقف لم يتخذه المنتدى إلا لما عرف قيمته الحقيقية أنه الحلقة الأقوى ضمن الأطروحات في مواجهة الإلحاد.
 
2.هذا يعيدنا لحقبة شيخ الإسلام وعدم تخوفه من استيعاب الأقوال المخالفة على سعتها وتفنيدها تفنيدا متقنا ، بل إنه رحمه الله تجده يجلس مجلس القاضي ويفك الاشتباك بين المتكلمين والفلاسفة ، ولا أظن أن بعد هذا المقام مقاما ! وعلى هذا سار المنتدى.
 
3.من الملامح المهمة أيضا ، مواكبة المنتدى للتطورات المختلفة للتراكيب الشبهية المتجددة الغربية خصوصا ، مع تميز في إقرار الأقوال وتفنيدها باستخدام أدوات عجزت عن استخدامها المدرسة الكلامية المعاصرة.
 
4.الاشتغال بالترجمة للكتابات الغربية بداية على مستوى المقالات مرورا بالأفلام الوثائقية وانتهاء بالكتب العلمية الأصلية.
 
5.اهتمام المنتدى بإبراز جانب الإعجاز العلمي في القرآن والسنة ، دون إفراط أو تفريط مع وضع ملامح أساسية وضوابط واضحة لهذا الإعجاز منعا للتعدي أو الاعتداء على هذا الجانب المهم.
 
6.وامتاز في هذا الصدد بالاستشهاد بالكتابات العلمية الغربية الموثقة بعيدا عن الخرافات التي كانت تثار أو الكتابات المتهالكة مع توثيق محكم للمصادر على الوجه الصحيح.
 
7.كتاب المنتدى من تخصصات علمية مختلفة وعلى كفاءة عالية جدا وتمكن من مجالاتهم العلمية ، وهذا يعني: أنه لا داعي للاعتماد على الأخبار وسؤال " الثقات" في أبواب العلوم المادية التطبيقية ، فهم أهلها ، وهم يعرفون من أين تؤكل الكتف !
 
8.الاهتمام بالجانب الشرعي اهتماما عميقا دقيقا متينا ضبط الردود على الشبهات بشكل محكم.[12]
 
 
 
المراكز الإسلامية التخصصية المعاصرة: بين التقليدية والتجديد:
 
نعم ؛ أقصد بالمراكز التقليدية تلك التي تلبس لباس المتكلمين ، والمراكز التجديدة أقصد بها السلفية ، بتحيز واضح ولا أجد في التحيز إشكالا ؛ ولكن إن كان عن علم وواقع مطابق.
 
دعونا نلقي الضوء على الجهدين من خلال محور المراكز ثم نعرج على بعض الأسماء المتميزة في هذا المجال.
 
لعل أبرز المراكز التي تهتم بالرد على الإلحاد تحت عباءة المتكلمين هي مؤسسة طابة[13] ، أنشئت عام 2005 بإدارة الحبيب الجفري وهو من أبرز الذين نشطوا على الساحة لمواجهة النازلة الإلحادية ، وتلخيص أهداف هذه المؤسسة في قولهم: "إعداد الدراسات والكفاءات والمؤسسات لتطوير خطاب إسلامي واضح وإيصاله للعالم بأسره بطريقة تؤدي للإدراك"
 
يعني ننتظر من هذه المؤسسة أن تثري الخطاب الإسلامي بالأبحاث المتينة التي تشكل نقلة نوعية في الخطاب الإسلامي ، ولكن ما حقيقة هذا الإسهام ؟
 
إن ورقات طابة – كما سمتها المؤسسة – وأبحاثها في مجال الإلحاد – لأنه مجال حديثنا – هي ورقات كتبت على استحياء ، وليست تصب في صلب الطريقة التي يجب أن تعالج بها هذه الحالة ؛ بمعنى أنه يجب أن تكون المعالجة على الأسس المادية ثم تنتقل منها إلى الأسس العقلية والفلسفية ، مع الأسف ؛ هذه الكتابات كلها تريد جر الخطاب الإلحادي إلى الساحة الكلامية وهذا غير ممكن ومستعص جدا !
 
كتب الأستاذ/ جهاد هاشم براون ورقات عنونها بقوله: إشكالية الاختزالية في فلسفة العقل وتبعاتها على الإيمان بالله ومبدأ النفس.
 
وبدأ أول ما بدأ به كلامه قوله: " القصد من هذه الورقة تحديد نقاط دخول التفكير الكلامي الإسلامي في حوارات في مجال فلسفة العقل ، إذ نجد عن طريق مساواة المبدأ الكلامي للنفس بلكتها الرئيسة ، وهي التعقل ، أن التفكير الكلامي الإسلام ذو صلة ملائمة بهذه الأنماط من البحث ، وبالنظر إلى أعمال سول كريبكه وهيلاري بتنام [14] أن انهيار " الاختزالية" يفسح المجال لمفهوم يتعلق بعقل مجرد من المادة ، وأيضا لدلالة على إمكانية إثبات معقولية الإيمان بالله ( الإلهية) بصورة عامة، وتثبت هذه الورقة أن العراقيل والتحديات المعاصرة أمام المبدأ الكلامي للنفس الإنسانية يمكن تجاوزها ، وهي تضيف إلى دراسات الباحثين المتنامية ، في هذا المجال، التي تضع علامة استفهام على التفسير الفيزيائي للكون" انتهى.
 
 
 
هذا الكلام الجميل المنمق ليس إلا خطابا حماسيا فقط ، لأن المشكلة في أن طبيعة العلاقة بين المادية الإلحادية والفلسفة تمثل حالة أخرى من – ولا بأس من استخدام هذا التعبير مرة أخرى – الظواهر المصعدية ، ففي نهاية الأمر ننتهي إلى أن هذا الخطاب جدلي بامتياز: على مسلمات قوم دون قوم.
 
بغض النظر عن الافتتاحية التي افتتحها الكاتب في هذه الورقات من محاولة الوصول إلى مفهوم النفس عند الجويني والغزالي ومن حولهما ، وعلى أنها عبارة عن جسم رقيق شفاف إلخ إلخ ، ولكن محاولة هدم مبدأ الاختزالية في تفسير كل شيء بواسطة المادية البحتة وانتظار " نظرية كل شيء " هي محاولة لا تعين أبدا على الوصول إلى نقطة جوهرية أو حتى تقدم في الخطاب؛ لأنك ببساطة تستخدم مبدأ الاختزالية ولكن بطريقة القلب ! بمعنى أنك تريد أن تهدم هذا المبدأ باستخدام الفلسفلة والكلام ، وهذه أدوات غير مسلم بها عند الماديين، وأنت بهذه الطريقة تريد أن تختزل تفسير الكون باستخدام الفلسفة ، وهو اختزالية أيضا !
 
المقصود من هذا أن خطاب هذه المؤسسة يدور حول ما نبهنا عليه من التقليدية وعدم الخروج عن الأطر الكلامية بحال.
 
يجدر بالذكر أن آخر البحوث التي نشرت على موقع هذه المؤسسة كان في عام 2014 ، وأن الأبحاث في مجال الإلحاد من كتابات هذه المؤسسة تعد على أصابع اليد الواحدة.
 
 
 
ثلاثي التجديد: تكوين – براهين – نماء:
 
هذه المراكز الثلاثة والتي تعد أهم المراكز التي ظهرت على الساحة ؛ لتسهم في تجديد الخطاب الإسلامي ، هي أبرز المراكز السلفية التجديدة في الوقت المعاصر ، وإسهاماتها في مجالات عدة نقدية وفكرية لا ينكرها إلا جاهل بها ، ولكننا في هذا المقال سنسلط الضوء على جهود هذه المراكز في مواجهة النازلة الإلحادية ، ومن ثم نترك المقارنة للقارئ بين هذه النماذج المطروحة ، ولا بد أن نوضح مسألة مهمة قبل البدء وهي أن هذه المراكز الأربعة (3+1) كلها مراكز غير ربحية و؛ لكن مركز طابة هي مؤسسة تحظى بدعم رسمي – مشكور – لذى فإن الدعم المادي وهو العامود الفقري لأية مؤسسة ، قد تفوقت به طابة على هذه المراكز الثلاثة بلا شك.[15]
 
 
 
مركز نماء .. :
 
هذا المركز هو أبرز المراكز الثلاثة تميزا في الإصدارات وقوتها وتنوعها ، وكانت بدايته من سنوات خمس مضت ، وإن كانت جل الإصدارات هي إصدارات تدور في مدار النقد والتصحيح والتوصيف إلا أنه أيضا أسهم في كتابات مهمة جدا أهمها: 1- ثلاث رسائل في الإلحاد والعلم والإيمان – عبدالله الشهري ، 2- الإلحاد: وثوقية التوهم وخواء العدم – حسام الدين حامد.
 
وهذان الكتابان بلا شك ، يحملان من الرسائل المهمة التي تعد هدما للإلحاد من داخله ، ما عجز أي خطاب عن احتوائه ، ببساطة: إنها كانت رسائل تأصيلية تشير إلى أصل المشكلة بكل دقة.
 
 
 
مركز تكوين .. :
 
لعل بداية مركز تكوين كانت منذ عام تقريبا ، إلا أن إصداراته قاربت الثلاثين إصدارا متنوعا في مجالات شتى ، وكل من قرأها شهد لها بالدقة والمتانة العلمية.
 
كتاب ميليشا الإلحاد الصادر عن هذا المركز للشيخ عبدالله العجيري ، كان من أبرز هذه الإصدارات وانتشر انتشارا واسعا ، وشكل حجر أساس لبداية الكتابات المستفيضة عن الإلحاد كونه شكل مرجعا مهما لتوضيح الداء والدواء والمراجع العربية والغربية لمعالجة هذه الظاهرة.
 
بعد هذا الكتاب بنحو العام ونيف ، صدرت مجموعة من الترجمات لكتابات غربية ، هذه الترجمات تعد مركزية الردود على الإلحاد ، ونظرا لضعف حركة الترجمة فهذه الإصدارات كانت نقلة نوعية تحسب لهم.
 
 
 
مركز براهين .. :
 
الفارق الأساسي بين المركزين السابقين وهذا المركز ، أو إن شئت ضم معهما مركز طابة ، أنها مراكز لا تهتم بالإلحاد على وجه الخصوص ، على عكس مركز براهين فهو مركز مهتم بالنوازل العقدية ودراسة الإلحاد ، وهو أضعف المراكز دعما في المادة، وأقواها تقديما للدراسات، وأثراها في الإنتاج.
 
كانت بدايته مع مجلات شهرية وبعض من الأفلام الوثائقية المترجمة حتى يسر الله له الإصدارات الكتبية عبر مجموعة من الكتب التأصيلية للمبتدئين ، وترجمة أهم المؤلفات الغربية المهمشة ، يقول الشهري: " تأتي ترجمة براهين لـ (أيقونات التطور) و (تصميم الحياة) و ( صندوق داروين) كمساهمة في إيصال صوت المقالة الأكثر تعرضا للاضطهاد = مقالة التصميم"
 
ما يستخلص من هذا أن توجه المركز في كتاباته وترجماته أنها ليست مجرد محاولات حشوية أو ترجمات عفوية غير مدروسة؛ بل المركز يتجه نهجا ممنهجا في حركة الترجمة والتأليف لسد احتياجات الساحة الإسلامية.
 
 
 
وجوه سلفية في مواجهة المادية المعاصرة:
 
هذه الوجوه سنقتصر فيها على القليل منها لكي لا نطيل في هذا المقام ، إذ إنه لو أردنا حصرها لما استطعنا أن نوفيها حقها:
 
 
 
1.عبدالله العجيري:
 
هذا الكاتب المتفنن من أبرز الذين برزوا على الساحة ، مع محافظته على الهيئة السلفية والرسوخ في ضبط العقيدة جمع سعة اطلاع في الكتابات الغربية الفلسفية منها ، واستطاع من خلالها توصيف الحالة الإلحادية على ما هي عليه مع توضيح أبرز السمات أو - الخطوط العريضة إن شئت – لهذه الظاهرة ، فأظهر لنا سفره العجيب: ميليشيا الإلحاد؛ ليأصل لنا أصول الإلحاد الجديد من خلال استقراء واسع للكتابات الغربية الأم في هذا الصدد.
 
يقول الشيخ في كتابه المذكور: " ومن السطحية في تناول الظاهرة سطحية التناول العلمي لها إما بسطحية الإدراك لمقولاتها ، أو بضعف الاستجابة والرد على تلك المقولات"[16] انتهى كلامه ، وأنهى الكلام !
 
 
 
1.عبدالله الشهري:
 
وكذلك لا يختلف عن نظيره الشيخ العجيري من حيث الالتزام بالهيئة ، والتمكن من العقيدة ، وأبرز ما يتميز به تفننه وعلاقته بعلم النفس ، وهذا الجانب الذي يجب أن يبرز بلا شك لأن فئة ليست بالهينة من الملاحدة تدفعهم عوامل نفسية بحتة ، وعدم التعرف على هذا الجانب والمؤثر في اتخاذ هذه القرارات من جانب الملحد؛ ستشكل فجوة في فهم الخطاب الإلحادي المعاصر ، لهذا ظهر كتابه البديع: ثلاث رسائل: في الإلحاد والعلم والإيمان.
 
يعبر الشيخ عن هذا وأن الإلحاد هو عبارة عن مرحلة حفزتها محفزات مختلفة بقوله: " لأن الإحاد حالة إدراكية لم تتمتع بأي رسوخ نوعي في الوعي الجمعي الإنساني، فهي حالة تعاود الظهور كزعانف سمك القرش وسط بحر الدين الهادر ." انتهى.
 
 
 
1.الدويتو: هشام عزمي ومحمود نجا:
 
2.لما ذكرنا من مشكلات المدرسة الكلامية أنها تحاول جر الخطاب الإلحادي إلى الساحة الفلسفية ، وأنها طريقة لا يمكن أن تكون ناجحة بحال ، تميز كل من الطبيبين الماهرين المتميزين باستخدام الأدوات العلمية المخبرية في نقد متمكن لنظرية داروين بصورتيها القديمة والحديثة.
 
3.ويجدر بالذكر أن جهودهما هي جهود إذاعية ومقالية أما التصنيف ، وتقييمي الشخصي أن الأداء الإذاعي لهما لا نظير له الآن ، لما يتمتعان به من كاريزما في الإلقاء وهذه الخصيصة هي الخصيصة الأولى التي يجب توافرها في المتصدر.
 
4.الدكتور هيثم طلعت:
 
طبيب أيضا ، وأما كتاباته تتميز بقدرته على الولوج إلى الفلسفة والأخلاق عبر العلم التجريبي مع تمكن من الجانبين ، برع بكتابات له وكان من أبرز الكتاب في منتدى التوحيد، وصدر له كتاب: بعنوان كهنة الإلحاد.
 
هذه الوجوه السلفية كما ذكرنا ، ليست الوحيدة أو الأشهر ولكن لعلها الأقدم.
 
إذن ، فمحاولة تهميش الدور السلفي في حماية بيضة الإسلام والذب عن العقائد الإيمانية الأصلية هي نرجسية بامتياز لا تمت للواقع بأية صلة.
 
لست أنكر جهود المدارس الكلامية إلى جانب جهود المدرسة السلفية ؛ ولكن وقفة مع الذات ، ونظرة منصفة توضح الفارق الشاسع بين الجهدين.
 
 
 
الداروينيون العرب :
 
 
 
هذه الفئة الثالثة التي همشتها عمدا في هذا المقال تحتاج إلى إفراد مقال نوضح فيه الأسباب التي أدت إلى نشوئها ، ولا شك أنها الحلقة الأضعف في هذا التصنيف الثلاثي ، فهي لا تلقى بترحيب في وسط هذه التيارات المختلفة؛ لأنه ينظر إليها على أنها محاولة تهجينية في الجمع بين مبادئ إلحادية وإيمانية ، وهذا مرفوض لأنه نوع من أنواع الخنوع والرضوخ مما يتسبب في اهتزاز الصورة الثوقية للإيمان في مواجهة الإلحاد ، فنحن نزعم أنه لا حاجة أبدا في استيراد مبادئ إلحادية لتعزيز الفكرة الإيمانية ؛ بمعنى أن الداروينيين العرب يقومون باستغلال فجوات الداروينية للإشارة إلى وجود الإله ، فبهذا هم يخرجون نظرية التطور من البحث العلمي إلى مبحث خليط: إيماني – علمي.
 
على كل حال فأكرر على أن هذا المقال هو مجرد تسليط أضواء على بعض ما وجب التسليط عليه من محاولات تهميش دور المدرسة السلفية في عصرنا الحالي في مواجهتها للملاحدة والماديين.
 
 
 
(وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى)
 
 
 
===============
 
[1] لا يعني هذا أن العمل ليس جزءا من الإيمان الواجب ، فتنبه !
 
[2] كونه من أبرز رموز هذه المدرسة.
 
[3] من شبهة.
 
[4] ظاهرة المصعد يمكن فهم المقصود منها عبر عيش تجربة في رحلة قصيرة عبر المصعد مع أشخاص غرباء عنك ، ما الذي يحدث بينك وبينهم ؟ بالضبط لا شيء ! سوى انشغالك بالهاتف وتجاهله. فيمكن القول إن ظاهرة المصعد تدل على الفجوة بين الطرفين مع شيء أشبه بالتجاهل المتعمد إما لخجل أو لوحشة .
 
[5] نقض أوهام المادية ص 140
 
[6] أي البوطي
 
[7] ص 141 من نفس الكتاب.
 
[8] نقض أوهام المادية ص 140
 
[9] نقض أوهام المادية ص 100
 
[10] نقض أوهام المادية ص58
 
[11] لماذا المنتدى ؟ لأنه كما سيأتي كان النواة الأساسية لكل الخطابات السلفية المعاصرة في مواجهة المادية واللادينية والإلحاد ، بل ما من كاتب برز صيته في هذا المجال إلا وقد كان ثاني اثنين: 1- إما كاتب في المنتدى 2- عالة عليه !
 
[12] هذه بعض الملامح الأساسية لمقالات المنتدى والتي تكاد تقفز إلى وجه القارئ من المقال !
 
[13] وهي ليست مؤسسة تخصصية في مجال الإلحاد ، ولكنها تزعم أنها قائمة على تجديد الخطاب الإسلامي والنهضة به.
 
[14] وهما فيلسوفان.
 
[15] سنذكر إصدارات هذه المراكز ولن نقوم بتحليلها ، بل سنذكر في القسم التالي: وجوه سلفية في مواجهة المادية المعاصرة ، أهم ملامح هذه الكتب على القدر المتاح.
 
[16] ص125
 
مرات التقييم:«29»

أضف تعليقاً

إن أردت إبلاغك عندما يتم الرد عليك
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.

More information about formatting options

التحقّق
منعاً لبرامج الإزعاج "سبام" نرجو منك الإجابة على السؤال التالي:
6 + 2 =
مثال: 5 + 5 = 10