قصتنا مع الفُرس كاملة !

 
محمد بن عبدالله (آيدن)
 
يُعاني مجوس الفرس منذ ألف وأربعمائة سنة من عُقدة نفسيّة مؤلمةٍ هي " المجدُ التليد " !
 
إذْ إنّ العالم القديم كان مقتَسماً بين دولتين عُظمييـن ، وقوتين قاهرتين ، هما : الروم والفرس !
 
الروم كانت ديانتهم هي النصرانيّة ( المُحرّفة ) وينبسط نفوذهم على جنوب المتوسط وبلاد الشام وتركيا ، فيما كانت عاصمتهم هي القسطنطينيّة ، ويُلقب حاكمهم - كما في لغتهم - بمُسمى " قيصر " !
 
هذه القوة الروميّة الحمراء في الغرب كانت تقابلها قوةٌ ناريّة صفراء في الشرق ، وهم : الفُرس !
 
دولةُ فارس كانت تدين لإلهٍ هو في الأصل عدوٌ لكل البشر ، وأعني بهذا الإله الفارسي : النار ! وقد كان مسمى هذه العبادة هو " المجوسيّة " .
 
أما عن نفوذها السياسي فإنه كان ينبسط على أراضي إيران ( اليوم ) ، والعراق ، وشرق الخليج ، وبعض غربه ، واليمن . وقد كانت عاصمة مملكتهم هي " المدائن " ، ومليكهم يُطلق عليه في لغتهم اسم " كسرى " ( من الموافقات اللفظية بأن اسم إيران لو عكسته سيكون : ناريّا ) !
 
علائقنا نحن العرب مع هذه الأمة الناريّة ( الفرس ) غير جيدة منذ الجاهلية وقبل الإسلام !
 
إذْ إنّ النفسيّة المجوسيّة ترى في نفسها أشرفَ الكائنات ، وأعرقَ الموجودات ؛ ولذا عَبدت – حسب تفكيرهم الهزيل – النار ؛ لأنها بزعمهم : أقوى الكائنات !
 
وبناءً على هذا التفكير السطحي ، والنفسيّة الاستعلائية فإنّ كسرى قد مات كمَداً وقهراً حين هزمَ العربُ جيشه في معركة " ذي قار " ! فتولى من بعده الكسروية ابنُه ( شيرويه) !
 
وعن هذه المعركة فقد قيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال حين بلغه نصرُ العرب فيها على الفرس : " هذا أول يوم انتصف فيه العرب من العجم ، وبي نصروا " !
 
أمّا عن سبب هذه المعركة فهو مما يؤكد نظرية الاستعلاء الفارسي على العرب … فعودوا للتاريخ فعنده السبب !
 
لم يكن حال هذه العلائق بين الفرس والعرب بأفضل حال مع العهد الجديد ( الإسلامي ) !
 
إذْ تنبئنا كُتب السيرة النبوية أن أسوأ وأوقح ردٍ أتى من ملوك الأرض على مكاتبات الرسول – عليه الصلاة والسلام – إليهم ودعايته لهم في دخول الإسلام إنّما هو قد جاء من قِبَل ملك الفرس ( كسرى ) !
 
فقد قام كسرى بتمزيق كتاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ودعْسِه بقدميه ؛ وذاك حينما استمع لأول الخطاب يذكر اسم نبي الرحمة – صلى الله عليه وسلم – قبل اسمه ! فغضب حينها وقام من فوره بتمزيق الكتاب وقال : عبدٌ حقير من رعيتي يذكر اسمه قبل اسمي !!
 
ثم إنّه قد بالغ في الاستعلاء الفارسي ؛ فأمر عامله على اليمن ( باذان ) أن يبعث برجلين شديدين إلى المدينة ليحملا له " ابن عبدالمطلب " صلى الله عليه وسلم !
 
وفي المقابل فإن الرسول – عليه الصلاة والسلام – لم يدعُ على أحد من ملوك الأرض الذين قد راسلهم واختلفت أساليبهم في الرد عليه بين مُتلطفٍ ومتوقف إلا كسرى ؛ إذ قال لما بلغه ما فعل : " مزّق الله مُلكه " !!
 
ولما أن جاءه الرجلان الشديدان - كما أمر كسرى - أخبرهما الرسول بعد أن حبسهما عنده إلى الغد أن كسرى قد قتله ابنه !! فكان هذا الإخبار منه صلى الله عليه وسلم سبباً في إسلام ( باذان ) ومن معه من الفرس في اليمن !
 
قليلٌ بعد هذا مضى ومملكة الفُرس تُكتسح وتُستباح بأكملها في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطّاب – رضي الله عنه – ويُبعثُ بكنوزها من " المدائن " إلى " المدينة " ؛ لتسقط دولةُ الألف عام في عقد زمان !
 
ولعل هذا يُفسر للجميع سبب هذا الحقد الأسود في قلوب الفُرس على عمر بن الخطاب رضي الله عنه وتولاه ؛ إذْ إنهم يرونه قد أسقطَ حضارتَهم ودمّر مملكتهم !
 
عُرف عن عمر بن الخطّاب – رضي الله عنه – عبقريته الفذة وإلهامه الشديد وفراسته العميقة ؛ ولذا قال عنه الرسول – عليه الصلاة والسلام – " .. ثم جاء عمر بن الخطاب فاستحالت غربا فلم أر عبقريا يفري فريه حتى روى الناس وضربوا بعطن " رواه مسلم .
 
تجلىّ إلهام عمر بن الخطّاب – رضي الله عنه – في حياة الرسول – عليه الصلاة والسلام – عندما جاءت موافقاتُ الوحي لكثيرٍ من أقواله واقتراحاته !
 
وتجلّى أيضاً بعد وفاة الرسول – عليه الصلاة والسلام – في كثيرٍ من الأمور ، ومنها ما يختص بموضوعنا هذا ؛ وهو قوله عن فارس : " وددتُ لو أنّ بيننا وبين فارس جبلاً من نار لا يصلون إلينا ولا نصل إليهم " !!
 
بل ، ويتجلى حتى بعد موته ؛ إذْ إنّ قاتله كان فارسياً مجوسياً … فأيّ رجلٍ كنتَ يا عُمر !!
 
بقيَ الفُرسُ بعد ذلك يستروحون ريحَ فارسٍ من أيّ مكانٍ هبّت ! ولذا فمن الطبيعي أن يكون الصحابي الجليل سيدنا سلمان ( الفارسي ) هو أحد الخمسة الذين لم يرتدوا عندهم من صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم - !
 
ومن المنطقي جداً أن تكون سلالة الأئمة ( الإثنا عشريّة ) منحدرةً من صُلب زين العابدين ( علي بن الحسين ) فقط ؛ إذْ إن جدّه لأمه – رضي الله عنه – هو كسرى ملكُ الفُرس !!
 
من يتتبع تاريخ الدولة الإسلامية سيلحظ أن كل شعوب الإسلام قد خرّجت لنا قادة حملوا بأمانة واقتدار لواء الإسلام ورايته ؛ فصرنا بهم نُفاخر الدنيا ، ونُباهِجُ الكون ، فنجد من هذا : طارق بن زياد ( البربري ) ، ونور الدين زنكي ( التركماني ) ، وصلاح الدين أيوب ( الكردي ) ، ومحمد الفاتح ( التركي ) !
 
في حين أنّا نجد العنصر الفارسي هو أقلّ شعوب الإسلام مظاهرةً له وحظاً معه ؛ بل نجدُ بأنّ أحطّ فترات الدولة الإسلاميّة قد كانت حينما يُشاركُ أو يُديرُ هؤلاء الفرس شؤونها أو بعض شؤونها !
 
وعموماً ، فقد عاود نجمُ " فارسٍ " في الإضاءة المخفيّة منذ سقوط دولة بني أمية وقيام مُلك بني العبّاس ؛ إذْ أنّ الفُرس كانوا أسرع شعوب الأرض إلى الشغب والمُشاركة فيه ، وكان رجالاتهم - وفي مقدمتهم أبي مسلم الخراساني - أشدّ الناس بأساً في إذابةِ الحكم الأموي وتغييبه مع رجالاته !
 
وغابت بغياب شمس بني أمية الأسماءُ العربية في الحُكم والأحداث ؛ لتُمطرنا بعد ذلك صُحف التاريخ بأسماء وأنسابٍ فارسية كان لها أدوار كبيرة وخطيرة في تحولات السياسة والاجتماع !
 
فمن آل برمك الغامضين ، إلى بني بويه الوزراء ، في سلسلة تتقطع حتى تصل إلى " ابن العلقمي " الذي قد صنعَ سقوط بغداد بكل اقتدارٍ منه ، واحتقارٍ منّا .
 
من طريف الأمر أن دولة بني العبّاس قد بدأت بفُرس وانتهت بفُرس … فيا لله وتصاريف قَدَره !!
 
الدولةُ العثمانية بدورها لم تنجُ من المِخلب الفارسي ؛ إذ كان من أسباب توقف فتوحاتها الباهرة في أوربا غرباً هم الفرس شرقاً .
 
فقد كانت الدولة الصفوية في إيران تطعن ظهر الدولة العثمانية كلما اتجهت فتحاً إلى الغرب ، فما كان من السلطان " سليم الأول " إلاّ أن يوقف فتوحاته وفتوحات آبائه في أوربا ؛ ليتجه إلى تأديب الدولة الصفوية في العراق ، وقد كان النصر حليفه ومؤاخيه ؛ إذ هزَمَ جُندَ الفرس الصفوية في معركة جالديران ، وسبى فوق هذا زوجة ملكهم الحقود " الشاه إسماعيل الصفوي " !
 
هذا وقد كانت الدولة الصفوية أحد الأسباب الهامة في رغبة العثمانيين لضم البلاد العربية إلى حكمهم ؛ صيانةً للعرب في ذلك وحمايةً من أخطار المد الصفوي الرافضي !
 
واستمرت هذه العقدة النفسيّة من الريادة العربية والزعامة السنيّة على المشرق في قلوب أوغاد الفرس المجوس إلى عصرنا الحديث ؛ إذْ نجد شاه إيران ( الشاه محمد رضا بهلوي ) لا ينسى تاريخ أجداده الساسانيين ؛ فيأمر بالاستعداد لاحتفالات مرور ثلاث آلاف سنة على نشأة مملكة ساسان ! ثم يُعلن عن نفسه شرطياً للخليج ! فيما تبْقى آلةُ إعلامه تُصر على تسمية الخليج العربي باسم ( الخليج الفارسي ) ، بينما لا يزال المجتمع الفارسي إلى يومنا هذا يحتفل بأعياد الفُرس القديمة ؛ وفي مقدمتها عيد " النيروز " المجوسي !!
 
سقط كسرى الزمان ( الشاه رضا بهلوي ) على يد موبذان [ 1 ] الزمان ( الخميني ) ! ولم يجد " كسرى " عصرنا من دولة تتقبله غير مصر ؛ فضمه الساداتُ واحتضنَ أموالَه !!
 
مصر في العقيدة النمطية عند الفرس غير مُحبذة [ 2 ] ؛ إذْ إنّ بعض النصوص العقدية لدى هؤلاء المجوس تَسِمُ مِصراً بشر ؛ كما وأنّ ( مؤخراً ) استقبالها للشاه محمد رضا بهلوي قد زاد من تحسس الناريين من الكِنانيين !!
 
ولذا ، فإن مِخلَبَ الفرس في لبنان ( حسن نصر الله ) قد ترك إسرائيل في خطاباته القديمة ليتوجه بالشتائم إلى مصر  ، ثم الآن إلى السعودية التي أكلت كبده في اليمن وسوريا !
 
إنّ المُتابع للمغمغةِ غير الواضحة لتصريحات الفرس ومن تبعهم من " مناذرة " [ 3 ] العرب في لبنان من جهة ، وللتناقض الفاضح لما يجري على أرض أفعالهم من جهة أخرى ؛ ليتلمس أن القوم يريدون أن يقولوا شيئاً ولا يستطيعونه !
 
فالتصاريح والنداءات النارية من قِبَل هؤلاء المجوس تمضي على محورين :
 
الأول : إلى الحكومات العربية بوصفها متخاذلة – وهي كذلك فعلاً – ومتآمرة وغير جديرة بالقيادة ، ولا قديرة على الدفاع !
 
الآخر : إلى الشعوب ويسير على وجهتين :
 
أ ) سياسي : ويطالبها بلحنٍ خَفي أن تُسلِّم فارِساً قيادَها ؛ لأنّها الأقدر على حماية العرب من الروم !
 
ب ) ديني : ويدب دبيباً في المجتمع العربي ، وغرضه هو نشر المذهب الشيعي في المجتمع السني باستخدام العديد من الطرق المختلفة والمتنوعة !
 
إلاّ أنّ المواطن العربي البسيط - خاصةً بعد أحداث لبنان والعراق وسوريا واليمن - لا يتسع معه إلا ترديد المثل الشعبي المصري : " أسمع قولك أُصدقك ، أرى فعلك أتعجب " !
 
فمثلاً حسن نصر الله ( رُستُم لبنان ) كان يقول عن أمريكا أنها الشيطان الأكبر والعدو الأول ، فيأتيه في الماضي القريب غير البعيد : التصديقُ والتصفيق !
 
إلاّ أنه ينكث بمن صفّقَ له وصدّق به ؛ ليقول عن المقاومة العراقية لأمريكا في أرض السواد أنها " صدّامية بعثية " !!
 
ثم يُنسى منه هذا ليفجأ منه ذاك ؛ إذْ إن " السيّد " قد رصّ الصفوف في الجنوب ؛ لكنّه يتجه بها إلى الشمال ( بيروت ) ، ثم بعد ذلك يصر على بقاء لبنان دون رئيس نطلقًا بمليشياته إلى دمشق !
 
ثم يُتناسى كل هذا منه ؛ لنراه ( اليوم ) يشتم مُحادّةَ جنوبِ إسرائيل ( مصر ) ولا يفعل شيئاً في شمالها ( هو نفسه ) !
 
ثم نعقد العزم على عدم سماعه ولا رؤيته ؛ لنذهب للقراءة والإطلاع على مذكرات شارون ؛ علّنا نجد من عدونا خبرَ " حليفنا " – فنفاجأ بأنه يمتدح الشيعة وأنه لم يرَ منهم خطراً يتهدد أمنَ إسرائيل أبدَ النهـر !!
 
بدوره يقول كسرى الجمهورية ( أحمدي نجادي ) أنه سيُحرق دولة إسرائيل بصواريخه ، في المقابل يُعلن سياسيو دولته بأنه لولا إيران وتسهيلات إيران لما احتلت أمريكا أفغانستان والعراق !
 
والخلاصة ؛ أنّ المجوس لا يقولون في إسرائيل إلاّ لنا !
 
بمعنى آخر : اجعلونا المتحدث الرسمي لكم بين الأمم يا عرب ، وأسلِمونا قيادَكم تُغلَبُ الرومُ أدنى أرضكم !
 
إلاّ أني أتمنى على السادة الفُرس بعد كل هذا أن يوفروا أموالهم ويُصَدِقوا نبيّهم ؛ إذْ إنهُ قال : " إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده " !
 
آيدن .
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
الهوامش :
 
1 – الموبذان : هو رجل الدين المجوسي .
 
2 – سنورد – بمشيئة الله تعالى – نصوصاً رافضية يستبين من خلالها الحقد الفارسي على مصر .
 
3 – المناذرة : سلالة عربية حكمت العراق في الجاهلية ، وكان ولاؤهم للفرس .
مرات التقييم:«28»

أضف تعليقاً

إن أردت إبلاغك عندما يتم الرد عليك
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.

More information about formatting options

التحقّق
منعاً لبرامج الإزعاج "سبام" نرجو منك الإجابة على السؤال التالي:
9 + 9 =
مثال: 5 + 5 = 10