موقف الأشاعرة من الشيعة بين الأمس واليوم

سعيد بن حازم السويدي

 في مشهد الصراع مع الشيعة اليوم لا تكاد ترى سوى السلفيين في الجبهة السنية الإسلامية بينما تتخلف أكثر التيارات السنية الأخرى عن واجب الدفاع عن طعون وخيانة الشيعة للإسلام.

 
لكن الأمر لم يكن كذلك في القرن الرابع والخامس والسادس الهجري، فقد كان الاشاعرة في مقدمة المتصدّين للتشيع، ولم تبرز سنية الأشاعرة إلا لتصديهم للشيعة والمعتزلة، وهذا كان سبب تسميتهم (أهل السنة) بالاصطلاح العام.
 
لقد أدى علماء الأشاعرة دورا هاما في الدفاع عن العقيدة أيام الصعود الشيعي في القرن الثالث الهجري عندما قامت دولة للإسماعيلية في مصر والمغرب وانتشرت فتنتهم في المشرق، وعندما تسلط البويهيون الشيعة في نفس الفترة على الخلافة السنية في بغداد وتستروا بالاعتزال حتى دخلت الأفكار الشيعية عليه.
 
فقد كان لأبي الحسن الأشعري كلام كثير في الرد على الشيعة، وقد وصلَنا بعضه في كتابه (مقالات الإسلاميين)، أما القاضي أبو بكر الباقلاني فكان إماماً في الرد على الشيعة والمعتزلة وله في ذلك مصنفات كثيرة من أشهرها كتابه (تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل).
 
كما صنف الغزالي كتابه (فضائح الباطنية) في الرد على الباطنية، وللآمدي كلام طويل في الرد على الإمامية في كتابه (أبكار الأفكار)، والجويني نقدهم بقوة في كتابه (غياث الأمم)، والرازي تعرض لهم في تفسيره.
 
وقد استعان السلاطين السنة بعلماء الأشاعرة لمقاومة الهجمة الشيعية الباطنية، ولعل المدارس النظامية التي أنشأها الوزير السلجوقي نظام الملك الطوسي في أشهر المدن الإسلامية خير شاهد على جهود الأشاعرة الفكرية في التصدي لفتن الباطنية آنذاك.
 
ولعل تاريخ التهاون والتراخي الأشعري مع التشيع يعود إلى القرن السابع الهجري، أي في زمن ابن تيمية رحمه الله، ويبدو أن الأشاعرة حينما اتجهوا نحو الداخل السني بعقائدهم الكلامية وشنعوا على أهل الحديث تراجعت جهودهم في مقاومة التشيع، وكانت بغداد إذ ذاك قد سقطت بيد المغول، وتسلط ملوك التتر عليها، وكان منهم من اعتنق الإسلام فكتب أحد علماء الشيعة (ابن المطهر الحلي) كتاباً يدعوه فيه إلى مذهب الإمامية، وكان سبباً في تشيع محمد خدابنده أحد ملوك التتر آنذاك، فتصدى ابن تيمية للرد على رسالة ابن المطهر وصنف كتابه القيم (منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية). 
 
حينها علق أحد رؤوس الأشاعرة المناوئين لابن تيمية (علي بن عبد الكافي السبكي) قائلاً:
 
إن الروافض قوم لا خَلاق لهمْ        من أجهل الخلق في علم وأكذبهِ
 
والناس في غُنية عن رد إفكهمِ        لهجنة الرفض واستقباح مذهبهِ
 
وقول السبكي (والناس في غنية عن رد إفكهم) مثال على التهاون في شأن الخطر الفكري للرافضة الذي بدأ يتسلل إلى بلاط الملوك فيعتنقوه وربما حملوا رعيتهم عليه.
 
وموقف السبكي هذا أثار حمية أنصار ابن تيمية المتيقظين لخطر التشيع، فكتب العالم الحنبلي يوسف بن محمد السرمري قصيدته (الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية)([1]) ردا على السبكي ومما جاء فيها:
 
أكلُّ ما ظهرت في الناس هجنته             يصير أهلا لإهمال النكير به
 
والله لا غنية عن رد إفكهم                     بل رده واجب أعظم بموجبه
 
والله لولا سيوف من أئمتنا                    في كاهل الرفض لا تلوى ومنكبه
 
لأضحت السنة الغراء دائرة                     بين البرية كالعنقا وأغربه
 
 
 
لعل هذه الحادثة تؤرخ لبداية تهاون الأشاعرة في التصدي للفرق المخالفة بسبب انشغالهم بالعلوم الكلامية من جهة، وانصرافهم إلى المعارك مع أهل الحديث وأنصار ابن تيمية من جهة أخرى.
 
ومع مرور الزمن أصبح التصدي للتشيع من القضايا المنسية عند الأشاعرة ، فهم اليوم يشغلون معظم المناصب الدينية الرسمية في الإفتاء والقضاء والتدريس، ومع ذلك لا يقومون بواجب الدفاع عن العقيدة السنية في وجه الهجمات الشيعية التي لم تنقطع منذ وصول الخميني لحكم إيران سنة 1979.
 
أسباب تهاون الاشاعرة في الرد على الشيعة
 
لو بحثنا في أسباب تقاعس الأشاعرة في هذا الباب فسنجد:
 
1- اقتران التصوف بالأشعرية
 
لقد استحسن الأشاعرة التصوف وأصبح شعاراً لهم، ومعلومةٌ هي الصلات والوشائج بين التصوف والتشيع، فهو إن لم ينحرف بأهله نحو هاوية التشيع كما فعل بالأسرة الصفوية (أحفاد صفي الدين الأردبيلي) فإنه لن يؤسس فيهم الحصانة ضده، أو التحسس لخطره.
 
كما أن التصوف القبوري القائم على تعظيم الأولياء والمزارات مشابه للتشيع المغالي في آل البيت، فالداء متشابه في التصوف والتشيع.
 
فالأشاعرة يلزمهم الإنكار على الخرافيين المقترفين للشرك من أتباعهم ومعتنقي مذهبهم قبل الإنكار على الشيعة.
 
2- غياب مفهوم توحيد العبادة في الفكر الأشعري
 
ذكرنا في النقطة السابقة أن مناعة الأشاعرة (خاصة متأخريهم) ضد الشرك ضعيفة بسبب عدم عنايتهم بتوحيد الألوهية (العبادة) وتركيزهم على توحيد الربوبية، فقد أوجبوا على المكلفين النظر والتطلع إلى الأدلة على وجود الله تعالى ثم إثبات وحدانيته، وحملوا الآيات الواردة في توحيد الألوهية على توحيد الربوبية، وهذا الإهمال أدى إلى الجهل بحقيقة التوحيد الذي جاءت به الرسل، وحقيقة ما يضاده ويناقضه من الشرك والأسباب الموصلة له.
 
3- الأشعرية المذهب الرسمي للسلطة
 
ارتضى الحكام منذ السلاجقة مذهب الأشاعرة فأصبح المذهب الرسمي المعتمد، وهذا ما ساهم في انتشار العقيدة الأشعرية ورسوخها في كثير من البلدان الإسلامية، وقد كان لتقريب الأشاعرة من السلطة فوائد في زمن صعود الباطنية والشيعة في القرنين الثالث والرابع الهجريين، عندما كانت الدولة تحرص على الأمن الفكري وتوقن أن الاستقرار الداخلي لا يمكن حفظه إلا بالدفاع عن العقيدة وتحصين المجتمع من الأفكار الفاسدة لكن في الأزمنة الأخيرة حينما بات الحكام لا يكترثون لهذه المسائل وما يتهدد المجتمع من عقائد فاسدة، صار العلماء الأشاعرة تبعاً في الإهمال والكسل لمزاج السلطة. 
 
وهذا لا ينفي وجود شخصيات أشعرية متيقظة لخطر الشيعة، نذكر منهم: عثمان بن سند الوائلي المالكي الذي أخذ على العثمانيين إهمالهم للجنوب العراقي حتى انتشر التشيع بين أهل الجهل منهم ([2])، وهي ذات المسألة التي نبه إليها علامة العراق السلفي محمود شكري الألوسي.
 
ومنهم: العلامة محمد سعيد النقشبندي الذي راقب نشاط الميرزا محمد حسن الشيرازي في سامراء وسعيه إلى نشر مذهبه فيه، فكتب إلى الدولة العثمانية يحذرها، وعمل على تأسيس مدارس سنية فيها.
 
ومنهم: العلامة عبد الله بن الحسين السويدي صاحب المناظرة الشهيرة مع علماء الشيعة في النجف أيام نادر شاه الأفشاري شاه إيران، وغيرهم.
 
4- تطرف الأشاعرة ضد السلفية
 
لم يكتف الأشاعرة بالنكوص عن سبيل أسلافهم في التصدي الفكري للشيعة، وإنما اشتدوا في محاربة السلفية وجعلوها أكثر خطراً من التشيع الذي لم يلقوا له بالاً، بل تقاربوا مع أهله وانتهجوا خطاب الوسطية والاعتدال – كما يسمونه - مع الشيعة، بينما اتخذوا لسان التعصب والتحامل والتجني مع السلفية.
 
سعيد فودة وبرود الأشعرية إزاء التشيع
 
كغيره من المتحاملين على ابن تيمية كان سعيد عبد اللطيف فودة مشغولاً بمهاجمة السلفية وله في ذلك عدة مؤلفات كـ (الكاشف الصغير عن عقائد ابن تيمية، ونقض الرسالة التدمرية)، ولم يصرف عُشر جهده ضد السلفية من أجل مقارعة التشيع وفتنته التي عصفت بالعالم الإسلامي منذ عقود.
 
وقبل أربع سنوات نشر سعيد فودة بحثاً يبين رأيه في الصراع المحتدم بين السنة والشيعة، وقد حملت الورقات عنوان (مستقبل العلاقة بين السنة والشيعة العوامل والآفاق)، تعرض فيه للعوامل التي يمكن أن تكون مؤثرة في العلاقة بين السنة والشيعة في المستقبل، فذكر منها نظر الشيعة إلى حوادث تاريخية باعتبارها أصولاً عقدية كحادثة السقيفة، والخلاف بين الصحابة، ومقتل الحسين، ودور الشيعة في إسقاط بغداد، وقال (وإذا كان هناك من يتجه من أهل السنة والشيعة إلى التقريب بين المذاهب فإنه لا يصح أن يهمل أهمية دراسة مثل تلك الأحداث لتبيين الموقف منها فإنه مما لا شك فيه أن إعادة تحليل الشيعة والسنة لهذه الأحداث التاريخية وإعادة فهمها يمثل أساساً لدرء توظيفها من قبل الذين يرغبون في زيادة التفرقة بين الفريقين).
 
بعدها تعرض فودة لعوامل الاجتماع، ونقاط الافتراق مع الشيعة، وفي معظم ما كتبه انتقاد للشيعة عقدياً وسياسياً (تحريف القرآن، الإمامة، سياسة تصدير الثورة).
 
وأشار فودة في إطار البحث عن العوامل المؤثرة في العلاقة إلى المخططات الخارجية ومشاريع الفتنة.
 
وخلص البحث إلى مطالبة الشيعة بتوضيح موقفهم من القضايا الكبرى في الاعتقاد كتحريف القرآن، والحوادث التاريخية، وأكد أن الخلاف بين السنة والشيعة سيبقى قائما ولن يمكن إزالته، وأن (التعايش بينهم والتعاون على المتفق عليه واجب شرعي وتترتب عليه المصلحة المشتركة عقلاً) وأن هذا هو السبيل الوحيد لبناء التعاون المشترك.
 
هذه الرؤية الباهتة البائسة تؤكد غياب أي واقعية في الطرح الأشعري عن التحدي الشيعي، فهي ما زالت تخاطب الشيعي لبيان موقفه من الاعتقادات الكفرية، وتؤمن بالحوار والجدال بالتي هي أحسن، وتؤمن بالتعايش والتعاون بين السنة والشيعة وفق ضوابط احترام ضروريات الدين!!!
 
هذه اللغة الهادئة الموادعة للتشيع لا تستوي مع خطاب الهجوم والتشنيع على السلفية واتهامها بالتجسيم والحشوية، وهذه التهم هي ذاتها التي لاحق بها الشيعة خصومهم الأشاعرة حتى كفروهم وجعلوهم من المشركين، يقول المازندراني: (الأشاعرة يثبتون له تعالى صفات الجسم ولوازم الجسمية ويتبرؤون من التجسيم.. وهذا تناقض يلتزمون به ولا يبالون، وهذا يدل على عدم تفطنهم لكثير من اللوازم البينة أيضاً، وعندنا هو عين التجسيم)([3]).
 
ويقول نعمة الله الجزائري: (الأشاعرة لم يعرفوا ربهم بوجه صحيح، بل عرفوه بوجه غير صحيح، فلا فرق بين معرفتهم هذه وبين معرفة باقي الكفار)([4]).
 
فهل يستيقظ أشاعرة اليوم من غفوتهم ويتجاوزون كبوتهم ويلحقون بركب أسلافهم في الدفاع عن بيضة الإسلام التي يدمرها الشيعة بالفكر والسلاح جهاراً نهاراً ؟!!
 
 
 
 
[1] - نشرت بتحقيق د.صلاح الدين مقبول أحمد، في الهند سنة 1992.
 
[2] - في كتابه (مطالع السعود).
 
[3]- شرح أصول الكافي (3/ 202).
 
-[4] الأنوار النعمانية (2/ 278) نقلاً من بحث (الشيعة والتفريق بين السلفية وبين الأشاعرة والصوفية) لعائض بن سعد الدوسري.
 

 

مرات التقييم:«18»

أضف تعليقاً

إن أردت إبلاغك عندما يتم الرد عليك
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.

More information about formatting options

التحقّق
منعاً لبرامج الإزعاج "سبام" نرجو منك الإجابة على السؤال التالي:
8 + 8 =
مثال: 5 + 5 = 10