كتاب صِفات رب العالمين للحافظ ابن المُحب الصامت

جمال عزون: كتاب " صفات ربّ العالمين " للحافظ الكبير شمس الدّين أبي بكر محمّد بن عبد الله المقدسيّ الشّهير بابن المحبّ الصّامت (712 ـ 789هـ) أحد تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيميّة أحبّه كثيرا وتأثّر به وأعجب بعلمه، وابن المحبّ هو ولد الحافظ عبد الله بن أحمد المقدسيّ صاحب ذاك الصّوت الشّجيّ بتلاوة القرآن الكريم، وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية يحبّ الصّلاة وراءه لجمال صوته، وهو الذي غسّل شيخ الإسلام مع المزّي وابن كثير، أمّا ابنه محمّد صاحب كتاب " صفات ربّ العالمين " فهو حافظ جليل، ولد في سفح جبل قاسيون بصالحيّة دمشق، واعتنى به أبوه من صغره فأسمعه عددا هائلا من كتب الحديث إلى أن توفّي والده سنة 737هـ وعمر ابنه محمّد 25 عاما، فاستمرّ ابن المحبّ بشكل مدهش على سماع كتب الحديث وأجزائه الكثيرة جدّا، لذا يرى خطّه بشكل ملفت للانتباه على غالب أجزاء الظّاهريّة، ممّا حدا بأهل العلم أن يسمعوا عليه تلك الأجزاء، وكان حقّا كريما فأسمعهم ما سمعه من تلك الكتب إلى أن وافته المنيّة عام 789هـ، وقد كان لتفرّغه لسماع كتب الحديث وعزوبيته أثر واضح في هذه الكثرة الكاثرة من السّماعات الموجودة على الأجزاء، خاصّة وهو ينهل من معين الخزائن الموقوفة بالمدرسة الضّيائية التي أنشأها الحافظ محمد بن عبد الواحد المقدسي صاحب " الأحاديث المختارة " وأوقف فيها خزانة هائلة، وتبعه على وقف كتبهم جمهرة من حفّاظ الحديث وعلمائه، ممّا أثرى تلك المكتبة فصارت فيها خزائن كثيرة لأهل الحديث، وكانت كلّها متوفّرة بين يدي ابن المحبّ خاصّة وأنّه كان يعيش في المدرسة نفسها، ويلاحظ النّاظر في هوامش أجزاء عدّة خطّ ابن المحبّ عليها ويلفت نظره تلك النصوص العقديّة التي كان يهتمّ بالإشارة إلى مخرّجيها من مصنّفي كتب الحديث والأجزاء، وذاك يشير ـ والله تعالى أعلم ـ إلى أنّ ابن المحبّ ارتسم في ذهنه مشروع كتاب " صفات ربّ العالمين " من فترة مبكّرة، فكان يستجمع مادّة هذا الكتاب من عدد كبير من كتب أهل العلم.
وكتابه هذا " صفات ربّ العالمين " أوّل عهدي به عام 1409هـ في مكتبة شيخنا حمّاد بن محمّد الأنصاري رحمه الله تعالى الذي كان يلفت النّظر إلى قيمة هذا الكتاب، لكنّه في الوقت نفسه كان يصرّح بصعوبة خطّه الذي أدّى إلى عزوف أهل التّحقيق للمغامرة بتحقيقه خاصّة وهو في 495 ورقة بخطّ ابن المحب المرصوص رصّا، والمتدفّق على الورق تدفّق الأنهار على البحر، فكان ابن المحبّ يكتب في حواشي الورقة ويلحق نصوصا تلو أخرى بخطّ دقيق للغاية يصعب قراءته جدّا، وقد قال شيخنا المذكور: " اجتمع على قراءة سطر واحد منه أربعون دكتورا فما أفلحوا في فكّ سطر واحد منه " أو كما قال رحمة الله عليه.
ويأبى الله تعالى إلاّ أن يقيّض لهذا الكتاب رجلا من ديار الجزائر هو أخونا الشّيخ أبو عبد الله عمّار بن سعيد تمالت محقّق " تحريم القتل " للحافظ عبد الغني، و" فضائل عشر ذي الحجة " للطبراني وغيرهما، والموظف حاليا بمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، فانبرى لهذا الكتاب الكبير، وأقبل عليه بقلبه وقالبه، وهكذا مضى قدما مع كتاب ابن المحب إلى أن أتمّه نسخا، بل وقطع شوطا في تحقيقه والتّعليق عليه، ولو لم يكن من شأن الكتاب إلاّ انتساخه وضبطه ضبطا صحيحا مع الإحالة على المصادر التي يكثر ابن المحبّ النّقل عنها لكان عملا رائدا، لأنّ المحقّق عانى الأمرّين في انتساخ الكتاب من خطّ ابن المحبّ الذي تصعب قراءته إلاّ على متمرّس عليه، ونحن في شوق إلى صدور هذا الكتاب، والذي يتوقّع محقّقه أن يكون قرابة خمس مجلّدات.
والكتاب حقّا ملأه ابن المحبّ بنصوص نادرة في العقيدة من كتب هي في عداد ما فقد من تراث أعلام العلماء كمسند بقي بن مخلد، والسنة للطبراني، وغيرها كثير جدّا، ونقول عن شيخ الإسلام ابن تيمية لا تكاد توجد في كتاب، وأحسب بعد هذا أنّ كتاب " صفات ربّ العالمين " يكاد أن يكون مثل " السّنّة للالكائي " أو أكبر حجما. فهنيئا لابن المحبّ الذي كثر صمتُه في حياته حتّى لقّب بالصّامت ـ وكان هو لا يرضى هذا اللّقب ـ وقد صمتت عنه الأسرة التّراثيّة دهرا، حتّى أحيى ذكره رجل من أقصى الدّيار سعى بكلّ ما أوتي من جهد لانتساخ الكتاب، ومحاولته جاهدا لإخراجه في ثوب علمي يليق بمكانة ابن المحبّ، فإلى الأمام قدما أبا عبد الله وسنشدّ عضدك بالدّعاء لك أن يوفّقك المولى إلى إنهاء الكتاب في أقرب أجل، والله وليّ التّوفيق، والحمد لله ربّ العالمين.

مرات التقييم:«81»

أسير العلم

شوقتنا يا أخ جمال لهذا الكتاب وعسى أن يتيسر الحصول عليه

عبدالرحمن النجدي

وهل من جديد حول هذا الكتاب ؟

أضف تعليقاً

إن أردت إبلاغك عندما يتم الرد عليك
التحقّق
منعاً لبرامج الإزعاج "سبام" نرجو منك الإجابة على السؤال التالي:
7 + 4 =
مثال: 5 + 5 = 10